تنمية الريف المصري



في الفترة الأخيرة –تتراوح بين ستين وثلاثين سنة تقريبا- يكثر الكلام عن تطوير الريف المصري والرغبة في عكس عملية الهجرة من الريف إلى المدن وكأن الأولوية هي الرغبة في إبقاء المدن غير مزدحمة. وهذا فكر قاصر تماما.
المجتمعات البشرية كلها تتجه للتمدن والانتقال لعادات وتقاليد المدينة باتطراد والسير عكس هذه العملية مثل الحرث في الماء.
يقول أغلب المخططين أن علينا أن ندخل خدمات المدينة إلى الريف حتى نوقف تيارات الهجرة هذه إلى المدينة بنفس النظرة القاصرة. ولمن لا يعلم فإن نقل الخدمات المدنية إلى الريف مثل الصرف الصحي والغاز الطبيعي يقلل الهجرة إلى المدينة بالفعل ولكنه أيضا يؤدي لزيادة معدلات المبناء على الأرض الزراعية التي تطعمنا ويتم بيعها بأسعار رخيصة مقارنة بأسعار الأراضي في المدن. وهكذا تنشا في الريف طبقات سكانية جديدة محسوبة على الريف ولا تعمل بأي من أنشطة الريف. وأنا بنفسي أشاهد الأجيال الجديدة من أبناء الريف المصري وقد حصلوا على شهادات عالية في الطب والصيدلة والحقوق والتجارة والآداب ووجودهم في الريف عبئ على الأرض الزراعية حيث أن أول حل لديهم لإقامة منزل هو تبوير قطعة أرض والبناء عليها أو عندما يحتاجون إلى أموال سائلة يقومون ببيع قطعة أرض زراعية بأسعار عالية لمن سيقوم بتبويرها والبناء عليها.
الخلاصة ان حماية الرقعة الزراعية في مصر تقتضي تخفيض عدد سكان الريف إلى أقل من النصف وتحول مصر إلى الصناعة لاستيعاب الطاقة السكانية الفائضة عند الريف المصري بدلا من مد خطوط الصرف الصحي والغاز الطبيعي إلى الريف.
هذا ليس كل الحلول. فأنا أرى أن اتاحة الأراضي في المدن الجديدة والصحراوية وتيسير المرافق والأعمال الإدارية المتعلقة بتعمير المدن الجديدة هو الخطة الأولى لخلخلة هذا الفائض السكاني في الريف بدلا من تركه ينهش في الرقعة الزراعية المحدودة.
بعد هذا وقبله يجب أن يكون الاهتمام بالريف مبني على وظيفته الأساسية وهي الزراعة وتصنيع الغذاء –وهذا موضوع عميق جدا ومشعب ولا يمكن الحديث عنه في سطرين مختصرين لمجرد جعل المقال أكبر قليلا- وهذا بدوره سيؤدي لطفرة مادية لدى الفلاحين والمزارعين وهو ماسييسر عليهم الحصول على المرافق والخدمات المدنية في الريف آجلا أو عاجلا.

ثورتنا علمانية

أقول أن ثورتنا علمانية. نعم. ثورة يناير ثورة علمانية. فقد رفعت شعارات علمانية لا يستطيع دين أن يحتكرها وهي العيش والحرية والعدالة الإجتماعية ;رفعها المسلم والمسيحي الملتزم والمتحرر في مواجهة نظام يصف نفسه أيضا بالعلمانية ولم تكن علمانيته بأي شكل موضع نقاش أو اعتراض من التيار الرئيسي الفاعل في المجتمع ;  اللهم إلا استخدامها كذريعة لانتهاك حقوق الإنسان مع ابناء الجماعات الدينية المتطرفة.
وفي المقابل لم ترفع ثورة يناير أي مطالب دينية تتعلق بتمييز دين الأغلبية أو تطبيق شريعته ولم يكن ذلك مطلبا معلنا من الأساس بل كانت المطالب المتعلقة بالدين لا تتعدى مطالبة برفع سقف حرية الدعوة الدينة وعم التعرض لها أمنيا.

ثم جاء التيار الديني واستولى على الحكم ورفع شعارات من قبيل " مصر إسلامية" و "الإسلام هو الحل" وأنه هو من قام بالثورة وحده وأن ثورته –كما يدعي- إسلامية واستخدم في ذلك آلة إعلامية ضخمة لنشر هذه الأفكار وحول المساجد إلى منابر إعلامية رخيصة لتأييد هذه الأفكار.
هذا النظام المتستر بالدين أيضا استخدم العلمانية كفزاعة في مواجهة أعداء الداخل واستخدم علمانيي الداخل في مواجهة ضغوط الخارج!
ثم جاءت ثورة الثلاثين من يوليو لتؤكد لمن لا يستطيع الفهم أن سابقتها في يناير كانت علمانية في مواجهة نظام علماني فاسد وفاشل في مناحي الحياة ولم تجد وسيلة للتعبير عن ذلك سوى عقد تحالفات مع النظام الذي ثارت عليه من قبل. ورفعت في ذلك شعارات علمانية صريحة وكانت بمثابة عقد اجتماعي جديد بعد أن ثبت أن هناك ثغرة في العقد الذي تم كتابته في يناير 2011
; ضمنيا أقصد بالتأكيد.
وكأننا أمام مشهد درامي يضطر فيه المؤلف لعقد تحالفات بين أعداء الامس لتوضيح فكرة أو قيمة معينة.

لا أعرف لماذا الآن يتم التغاضي والتواطؤ ضد وضع علمانية الدولة كنص في الدستور المزمع كتابته رغم كل ما ذكرته ويذكره غيري. ولا أعرف ماذا يكفي اكثر من ذلك لإقناع من لا يقتنع. ولا أعرف معنى لمطاردة جماعة سقطت من الحكم وكرهها شعب بأكمله في أقل من عام وعدم التصدي لأيديولوجيتها الفاسدة في وثيقة الدستور التي نكتبها تأسيسا لجمهورية جديدة.

علمانية الدولة المصرية كانت وستظل مفتاح نهضتها والإقرار بها مفتاح لنيل المواطن كثير من حقوقه وسبيل للإعتراف بأقليات أخرى غير الأقليات الدينية مثل الأقليات العرقية والثقافية ..
علمانية الدولة المصرية دائما اقترنت بنهضتها بدءا من محمد علي وانتهاءا بجمال عبد الناصر.
إنني أطرح العلمانية كحل لمعظم مشاكلنا اليومية وكمنطق لإدارة الدولة وكبداية للتفرغ للمشاكل الأكثر إلحاحا من التساؤل عن جواز تهنئة الأقباط في أعيادهم!

عن علمانية الدولة وعلمانية المجتمع

أشعر بأن الأرض الآن اكثر ثباتا تحت قدمي وأنا أتكلم عن العلمانية كمواطن مصري. كما شعرت بكل نرجسية انني من هؤلاء الذين صنعوا انتفاضة 30 يونيو ضد الحكم الإخواني رغم أن مشاركتي في الحياة العامة تكاد تكون مقتصرة على الكلام على مواقع التواصل الاجتماعي ..
الآن لدي الرغبة للحديث مرارا وتكرارا عن العلمانية ومن موضع قوة وبكل ثقة ومن نفس المنبر الذي تحدثت منه سابقا..

 كاريكاتير بجريدة النيويورك تايمز للرئيس المعزول مرسي وهو يقول أن الفرق بينه وبين نظام مبارك أنه ليس علمانيا. 

أحد الأسئلة التي طرحت علي عن العلمانية كانت : ما الفارق بين علمانية الدولة وعلمانية المجتمع؟
ربما يبدو السؤال معقد للبعض لكن الحقيقة غير ذلك.
الإجابة على هذا السؤال يجب أن تبدأ بتوضيح الفارق بين الدولة والمجتمع.. الدولة والإنسان.. الآلة والإنسان.
إذن فالدولة هي مجرد آداة اخترعها الإنسان لتسيير حياة المجتمعات البشرية, بالطبع تتمثل الدولة في هيئة شخوص لكنها في النهاية آلة مثلها مثل السيارة مثل الطائرة مثل القطار.
أما المجتمع فهو مجموعة أفراد -وأنا هنا أحب أن اتكلم من منظور فردانية الإنسان- ولكل إنسان افكار ومعتقدات وعبادات وعادات.
فلا يمكن المساواة بين الشئ والإنسان. الإنسان هو من صنع الدولة لتخدمه وتيسر عليه حياته. والدولة -متمثلة في شخوصها- يجب أن تلتزم بالحيادية تجاه أفراد المجتمع وتحترم فردانيتهم من حيث المعتقد والفكر والطباع والإنسانية ككل.
إذا فعلمانية الدولة تعني حيادها تجاه الأفراد معتقداتهم واحترامها لحرية العقيدة بشكل كلي أو ما اتفق عليه من تعريف بأنها فصل الدين عن الدولة.
اما علمانية المجتمع فهي موضوع مختلف تماما.
علمانية المجتمع لا تعني أن يؤمن أفراد المجتمع بفصل الدين عن الدولة فالعلمانية هنا صفة سياسية بحتة. 
علمانية المجتمع بنظري هي نوع من الإنغماس في الحياة المادية والتخلي عن الدين كدافع شخصي في حياة الإنسان. ويعد هذا من قبيل ترشيد التدين. فالحياة الشخصية مليئة بالكثير الذي قد يتعارض مع الدين الذي يؤمن به الإنسان. فيضطر الإنسان -او قد يختار بإرادته ولراحته- أن يفصل بين معتقده وعقيدته الدينية وحياته الخاصة بمجرد أن يخرج من دار العبادة. أو أن يمارس حياته اليومية على أساس نفعي يخلو من الرحمة التي أمرت بها الأديان ثم يتلو صلواته قبل النوم ..

الربا -مثلا- محرم في الاديان السماوية الثلاثة; فإذا افترضنا ان الدولة تملك بنوكا تعمل بالربا -لا أقصد الفوائد فالفوائد ليست ربا- فهذا يعد فصلا للدين عن الدولة تتم ممارسته بواسطة الدولة إذن هذا يعتبر علمانية دولة.
اما إذا رأينا مجتمع يعمل أفراده بالربا بدون أي تدخل أو توجيه أو تسهيل من الدولة فهذا فصل للدين عن الحياة الشخصية يتم ممارسته بواسطة المجتمع -أفراده- فهذا يعتبر علمانية مجتمع.

بقي أن أقول أن العلمانية  - سواء علمانية الدولة أو المجتمع- لا تعني بالضرورة خرق الشرائع الدينية بالضرورة أو فعل ما تنهى عنه الاديان فهذا اتهام ثقيل والإنسان بطبعه خطاء من قبل ظهور الاديان ومن قبل ظهور العلمانية كفكرة من الأساس.
لكن العلمانية تعني التحرر من سلطة وسطوة رجال الدين في وجه والتحرر من التقييدات الدينية الشديدة والتي فرضت على الإنسان من آلاف السنين في وجه آخر; والمجتمعات البشرية كما نعلم تطورت وأصبحت أكثر تعقيدا ولم يعد ممكن بأي منطق الالتزام بالتصور الديني للدولة كما نزلت به الاديان من آلاف السنين.
 وأنا هنا لي تدوينة عن التصور الديني للدولة أو أنه ليس هناك من الأساس تصور ديني للدولة بعنوان : رأي بسيط في الحاكمية.

أما عن رأيي وميولي الشخصية فأنا بالتأكيد مع علمانية الدولة ولست مع علمانية المجتمع أو ضدها أحيانا.

حتى لا تتكرر المأساة

يصف جمال حمدان الاحزاب الدينية بالعصابات الطائفية التي هي " مافيا الاسلام" ويشترط لتقدم مصر والعرب والعالم الاسلامي "شنق اخر الجماعات الاسلامية بأمعاء اخر اسرائيلي في فلسطين."
أنا لا أريد أن أورط اسم الرجل في دعوة لقتل أو حملة اغتيالات أو غيره لا سمح الله.. في قلبي من الغل ما يغنيني عن التذرع بقولة هذا الرجل من الأساس . لكني أريد أن ننتهي من هذا السرطان الذي نهش جسد الأمة طوال ثمانين عاما.. هذه الجماعة والجماعات التي تأسست على أثرها وتولدت منها حتى يومنا هذا ..
كيف ؟ الأزمة في رأيي ورأي الكثيرين ان هذه الجماعات ماكانت لتنشأ إلا في وجود الاستعمار الغربي وماكانت لتنمو إلا في وجود الفقر والجهل والظلم وما كانت لتصل للحكم وتتمكن إلا بدعم من الغرب والصهاينة .


هل يكفي العمل على مكافحة الظروف التي أدت لنشأتها ونموها وتمكنها؟ لا أعتقد.. فركوبهم على ثورة يناير 2011 وآمالنا الخائبة طوال عامين ونصف مضوا ليسوا إلا براهين على سذاجة تلك النظرة فقد أحبط الإخوان وأعوانهم كل محاولة لنشر التنوير بين الشعب بأساليبهم المعتادة . هذا الفعل مطلوب لكن ليس بمفرده.
يجب اتخاذا إجراءات عملية وعلنية وصريحة لمنع قيام جماعات سرية أو جماعات دينية تعمل بالسياسة أو أحزاب سياسية تتبنى أيديولوجيات لها علاقة بالأديان. ويجب تغليظ العقوبة على من يستخدم الدين للدعاية السياسية أو للتشهير السياسي أو من يستخدم دور العبادة للعمل العام.


يجب البدء فورا ومن الآن في إصلاح الخطاب الديني وإصلاح الصورة النمطية للإسلام في أذهان المسلمين أنفسهم. يجب أعادة قراءة والتعامل مع الإسلام كدين علماني ولا يتعارض مع علمانية الدولة وفي هذا الباب كتب وتكلم أئمة عظام أذكر منهم الشيخ أمين الخولي والأستاذ جمال البنا واستقاء مبادئ العلمانية من المتنورين في التاريخ الإسلامي مثل أبي حنيفة وابن رشد .. الخ

ويجب كذلك إعادة نشر أفكار ضحايا الإرهاب ومثقفي االتيار العلماني المصري الذي لا يخشى أن يصف نفسه بالعلمانية أمام مجتمع متحفظ أو واقع تحت سيطرة الظلاميين وأخص بالذكر شهيد الكلمة دكتور فرج فودة الرجل الذي دفع حياته ثمنا للحقيقة أو الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيرهم..

نحن أمة لا تقرأ وحتى تأتي أجيال تقرأ وتتغذى على الكتب يجب اعطاء دفعة قوية للحركة الفنية والثقافية في مصر مثل تقديم الدعم المادي أو دعم الفنون الشعبية ونشر وتسجيل جرائم الجماعات الإسلامية بشكل فني حتى لا نفقد الذاكرة كما فقدناها من قبل ..

باختصار يجب أن ننمي مجتمعنا ونعطيه المنشطات والمضادات الحيوية اللازمة للتغلب على هذا الميكروب القاتل..  ويجب أن نعلم أنه سيكون هناك ضحايا وهناك إخلالا بما ناضلنا من أجله من مبادئ لكن درء الفتنة يستلزم القوة والحزم وليسامحنا الله

-----------------------------------------
تحديث بتاريخ 11/7/2013:

*هذه الورقة ليست برنامج انتخابي لكنها استراتيجية مقترحة غير محدودة بزمن للتنفيذ.
* فكرت كثيرا أن أذيل هذه التدوينة بمأثورة الفنان الصحفي المناضل مجدي حسين "يجب ان نقسم بالله أن يظل كل ما نقرأه في هذه المدونة سري ولا يخرج من بيننا ~ بتصرف" لكن لم يمنعني سوى رغبتي بأن تحقق هذه التدوينة عدد معقول من المشاهدات يكفي لرفع معنوياتي المنخفضة للغاية; لذلك لا تبخل بمشاركة تدويناتي على مواقع التواصل الاجتماعي يا صديقي .

ملحوظتين على هامش الأزمة


"قبل المغرب سبنا السلاح.. وقعدنا نجهز فى الفطار وبدأنا ناكل وبعد 5 دقائق من الأذان.. ودخلوا علينا وإحنا بناكل وأطلقوا علينا الرصاص بكثافة.. دول خدونا على خوانة.. خدونا على خوانة.. قال ولم يتوقف عن البكاء وهو يقول: «كل زمايلى راحوا قدام عينى». "


هكذا كانت شهادة الناجي الوحيد من مذبحة رفح في رمضان الماضي .. جندي يشتكي من ان المعتدين يجب أن يعطوا إنذارا قبل الهجوم !!!

هل هذا هو مفهوم المجند لفكرة الجاهزية والاستعدادية العسكرية ؟

منذ عدة أيام ذهبت لتوصيل زيارة لأحد الأصدقاء الذي بدأ لتوه في قضاء خدمته العسكرية الإجبارية كانت الزيارة في أغلبها عبارة عن مأكولات ومخبوزات و"إندومي" .. جلست يوما كامل أتندر على هذا الجيش الذي يأكل مجنديه "الإندومي" !!

في اعتقادي ان فكرة التجنيد الإجباري فكرة فاشلة وبدون الدخول في خلاف وجدال الحقوق والحريات وورأيي معروف في هذا الشأن ؛ لكن ما أقصده بفشل التجنيد الإجباري هو انه يجلب الميوعة والحياة اللينة المدنية لمعسكرات الجيش وأن المواطن المدني - مثلي- الذي يقضي فترة تجنيده الإجباري ليس إلا عبء على المؤسسة العسكرية وأنه مثله مثل أي مدني لا يبحث عن شئ سوى الراحة .. فهل من يبحث عن الراحة سيكون هو الشخص الملائم ليوضع في وحدة عسكرية على الحدود مع اسرائيل أو في منطقة بها نشاط إرهابي متوغل ؟

  إلا إذا كان الغرض من التجنيد التشغيل في مجالات غير عسكرية مثل بناء الكباري والمدارس لصالح الدولة او العمل في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بأجر زهيد .. أعتقد حينها أن ملايين الشباب العاطل أولى بهذه الوظائف وبأجور حقيقية من قواته المسلحة التي لا تتوانى خدمة الوطن في كل المجالات ..
********************* 

نفس الأمر يتكرر في حادث اختطاف الجنود المصريين بواسطة جماعات إرهابية في سيناء .. لكن لي ملاحظة أخرى بخصوص العمليات العسكرية في مصر – وهي في الحقيقة تنطبق على أي مؤسسة وأي مجال في مصر – هذه الملاحظة تكمن في التراخي وقلة الخبرة والجاهزية على مستوى القواعد سواء .. فمثلا قليلا ما نسمع عن مجند عسكري استطاع بنفسه التصدي لعملية إرهابية أو ما شابه .. أو ضابط شرطة استطاع بمفرده مداهمة وامساك مجرم ما ..

دائما يجب أن نصنع جلبة ونرهق أكبر عدد من البشر من أجل إتمام مهمة بنجاح .. قائد الجيش الثاني الميداني يباشر بنفسه عملية تحرير الجنود المختطفين .. أراهن أن هذه الحادثة في دول أخرى كان ليشرف عليها عليها قائد الوحدة التي ينتمي إليها الجنود المختطفين !

نفس الامر يتكرر في كل المجالات ؛ الكفاءات الفردية قليلة في مصر ومتمركزة في أماكن محدودة تتحمل كل العبء كل الوقت وهذا لا سبب له إلا ضعف التعليم والتدريب والحافز الشخصي ..

عن سوريا ومصر وصديقي داروين

1

لم يكن يتخيل أحد أن الثورة السورية ستنتهي بالجلوس على طاولة المفاوضات مع بشار الأسد او أحد ممثليه والتفكير في طرح أسم خنزير سمين مثل وليد المعلم كرئيس وزراء لفترة انتقالية .. حتى أنا لم أتصور ذلك وتوقفت عن متابعة الثورة السورية وقل حماسي تجاه المقاتلين المعارضون لحكم بشار ..


2
طوال الفترة الأخيرة وبعد أن اتضح لي سيطرة المعارضة "الإسلامية" /"السنية" / "الجهادية" على مقتضيات الأمور وزمام المبادرة بدأت أشعر بنفس الحيرة التي واجهناها من فترة ليست ببعيدة عندما اضطررنا لاختيار بين مرسي مرشح الجماعة الفاشية وشفيق مرشح الحزب المنحل والفاشي أيضا ..
ربما هذه المرة لم يكن لدي الرغبة في الاختيار -النفسي والفكري حيث أن رأيي لا يمثل أي قيمة للواقع لكنها اشكالية فلسفية في رأسي كان يجب معي التعامل معها- هل أتخلى عن حلم ودعم الثورة السورية المطالبة بالديمقراطية والحرية وأدعم بشار الأسد أو أتغاضي عن سفكه للدماء بحجة الحفاظ على وحدة سوريا وليس مجرد مدنيتها ؟..  أم أدعم الثورة وقد أصبحت ثورة إسلامية سنية في مواجهة بشار بوصفه رئيس شيعي علوي وقد بايعت جبهة النصرة التنظيم الإسلامي المسلح في سوريا أيمن الظواهري على الإمارة !!!

3
لست قارئا متعمقا في الداروينية كفلسفة اجتماعية وسياسية يمكن استخدامها كمنهج للتطبيق سياسيا أو لتفسير الظواهر الاجتماية والسياسية لكني قادر على القول بأن تسليح الثورة السورية نقل الصراع بين المعارضة التي كان يرأسها أستاذ جامعي -أذكر أنه ماركسي- من خانة الصراع الأفلاطوني الأخلاقي والشرعي والإنساني في سبيل العدل والحق إلى صراع دارويني يتم فيه التسابق في التسليح وانتهاج العنف كآداة لإنهاء الصراع بالضربة القاضية تحت شعار "البقاء للأقوى" وليس "البقاء للمبادئ والخير.."..

4
باعتقادي أن المعارضين المسلحين عندما قرروا استخدام السلاح وخصوصا السلاح الطائفي الهجومي قد ارتضوا بهذه اللعبة الداروينية في عملية أشبه بالمقامرة العظمى بمستقبل سوريا وثورتها..
وباعتقادي أيضا أن صمت العالم الغربي طوال هذه المده كان نابعا من إيمانهم بهذا المبدأ "البقاء للأقوى" هكذا تعاملوا مع مبارك لولا اتصالات ومشاورات الأطراف المصرية مع الأمريكان مبكرا جدا أثناء الثورة وهكذا تعاملوا مع ثورة اليمن وهكذا تعاملوا مع زين العابدين بن علي في تونس ..
الأقوى هو الأقدر على البقاء وفرض النظام .. الغرب بهذا في حل من دعم أي حركة تنادي بالعدل والحق والحرية ..

5
في مصر وتونس وهما ثورتان سلميتان بنسبة كبيرة جدا كان الانتصار -ولو قصير المدى- من حظ الثوار فقد تم الإطاحة برؤوس النظام واحلال نظام جديد -ستتم الثورة ضده لاحقا لكن هذا ليس موضوعنا- .. قارن بين هذا وبين ليبيا وسوريا .. في ليبيا دعم الغرب اللثوار مبكرا اعتمادا على تفاهمات بشان مستقبل النفط الليبي وقدرته على تسديد فاتورة الإطاحة بالقذافي باستخدام الآلة العسكرية الغربية .. وفي سوريا حيث لا نفط هناك صمت عالمي وتقاعس عن تكرار السيناريو الليبي برغم تشابه الظروف السياسية ; في اعتقادي الأمر ليس له علاقة باسرائيل بالشكل الذي يطرحه البعض بأن نظام بشار داعم لإسرائيل من الباطن .. الأمر الذي يجلعنا نفكر بطريقة رياضية بحتة بأن احتمال نجاح ثورة مسلحة هو مثل فشلها 50%-50% 

6
يروى في أهوال يوم القيامة أن البشر سينادون ربهم يوم القيامة أن يصرفهم ولو إلى النار من شدة وهول هذا اليوم وحسابه العسير .. هذا العجز عن الإجابة هو الذي يدفعني لتبني الطرح الدارويني للتعامل مع الأزمة السورية .. سننتظر النتائج ونحاول تعديلها والتعامل معها ولن نتبرع بدعم احد ضد احد فالجميع سفاحون طائفيون محودي العقل والفهم ..

7
لأجل هذا أيضا حزننا على شاب مثل محمد محرز انساق وراء دعوات الجهاد في سوريا ضد بشار وذهب ليلقى حتفه برصاصة في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل .. محرز أثار موجة من المناقشات والجدل بعد مقتله اضطررنا فيها -كالعادة- لتقبل العنف اللفظي أو الحجر -بشكل ضمني- على رأي من استغرب ذهاب هذا المصري للقتال في حرب أهلية -نعم أصبحت كذلك- في دولة أخرى ; وقد كشفت محادثاته مع احد أصدقائه على الفيسبوك عن سطحية شديدة وذكورية وما يمكن أن نسميه ملمحا داروينيا في التعامل مع الأمور ومنطقتها .. 
8
ولأجل هذا كان لدينا كل الحق عندما نادينا بسلمية الثورة وبعدم الانسياق وراء هواة الاشتباك ومدمني الأدرينالين وعندما رفعنا صور غاندي وأقواله وتداولنا مصطلح اللاعنف كطريقة للتعبير عن مطالبنا وغضبنا ..
كان لدينا الحق عندما كنا سلميين وخسرنا كثيرا عندما تخلينا عن سلميتنا وعندما التففنا حول من انتهك السلمية في مواجهة السلطة وعندما عمقنا الخلاف بين الثورة والسلطة الجديدة -العسكر أقصد- وانجررنا لمعارك لم نخرج منها أي شئ إلا بأرقام من الشهداء وتسليم متسرع للسلطة لجماعة فاشية أخرى ..

عودوا إلى مصحاتكم

1

يقول لي في لهجة ثقة : وما ادراك ان مايفعله مرسي ليس في مصلحة البلاد ؟ إن مرسي يعرف اكثر مني ومنك بكثير وهو رجل تقي يخاف الله ويقوم الليل يبكي من شدة المسؤولية وانت تسخر منه ؟.. 

2

هل تعلم ان مرسي هرب من سجن الصخرة قبل شون كونري بعدة سنوات وان هروبه من سجن وادي النطرون كان مجرد حفلة اعتزال ضخمة انتقل بعدها لنشاط جديد تماما وهو نشاط "السجان" السجان السخيف الذي ليس لديه أي تساؤل تجاه ما يطلبه منه رؤساؤه وليس لديه أي نوع من الكرامة يستطيع إبداءه تجاه أي من رؤسائه أو الاحترام تجاه شعبه بل هو المهرج ثقيل الظل الذي يتسبب في تلف الحيوانات المنوية بداخل أنابيبها .. 
3
في اعتقادي ومما أصر عليه أن التاريخ يصنعه المرضى النفسيون .. انظر إلى خطب موسيليني وإلى تلاعبه بتعابير وجهه -مثلما أفعل أمام المرآه في الحمام كل صباح- لتعرف كم الميجالومانيا التي يعاني منها هذا الرجل .. نفس الشئ كان يفعله هتلر بإتقان وصدق اكثر -لاحظ أن المريض النفسي في الاساس هو من يصدق تماما هذه الهواجس التي تأتيه ويظهرها علينا على انها حقائق وإنه إن لم يصدق نفسه تماما لانتقل من خانة المرضى النفسيين إلى خانة النصابين مثل شلة الحزب الوطني الديمقراطي- أو مثل القذافي الذي ظل متشبثا بهرطقته حتى آخر لحظة في حياته ودفع شعب ليبيا من دمائه ثمن مرضه النفسي .. 
4
مرسي يصدِق نفسه في كل الهراء الذي يقوله وتقوله جماعته و"خيرته" لدرجة مرضية والجماعة ومرسي لديهم جيش من الاتباع والمعجبين والمبرراتيه يصدقون ما يقولونه بدرجة أكثر مرضا .. تصديق لا يقبل فكرة المناقشة أو المراجعة أو الخضوع للمنطق أو لأي أسلوب تحليلي أو نقدي للخطاب أو للأفكار -الأيديولوجيات- ويمكن على هذا الأساس ان تقنع هذا الجيش بترديد أي شئ مهما بلغت درجة بلاهته مثل أن يقولوا أن جبهة الانقاذ تحرق حقول القمح حتى يشوهوا صورة الرئيس مرسي او أن هشام قنديل رئيس حكومة كفء للغاية ومرشح للاحتراف في سويسرا كرئيس حكومة معار ..
5
لا أعلم كيف يسمح احدهم لأحدهم بابتزازه أيديولوجيا أو عقائديا للدرجة التي يبدو فيها الأول ساذج للغاية ومدعاة للشفقة أكثر من هذا الذي شوهد عاريا على كوبري اكتوبر .. هل حقا مرسي يرى اكثر من الشعب ومن معارضيه ؟ وهل حقا خيرت الشاطر يعرف كل شئ عن كل شئ كما يظن مرسي ؟ وهل فعلا هشام قنديل شخص ذو اهلية ؟ .. إنني أعتقد أن كل من يؤمن بهذه التفاهات هو شخص هارب من جلسات العلاج بالكهرباء ..
6

في اعتقادي وبعد تفكير طويل ان فعل الثورة يكتسب شرعيته من الصدق ومن دلالات الصدق المتضحة فيه .. فالثائر صادق في غضبه ورفضه للواقع وإصراره على مبادئه ومطالبه لدرجة انه مستعد أن يدفع الدماء أو روحه لاثبات ذلك والديكتاتور متمسك بسلطته وثروته لدرجة انه مستعد أن يقتل في سبيلهما من يقاومه .. واعتقد أن فعل الثورة هو يعطي دم الانسان قيمة مثلما تعطي الدماء للثورة قيمة الصدق .. وأن التقاء هذان العنصران هما اللذان يغيران التاريخ كل فترة في مصر .. 

7
إننا أمام حالة حرجة متكررة حدث عشرات المرات في مصر وفي العالم كله .. إما الثورة ضد الإخوان بكل ما تحمله الثورة من دماء وتضحيات وصدق .. والإخوان لا يستحقون أن نعاملهم بصدق أو بشئ من الصدق. وانا بصراحة شديدة مشفق على الشعب من هذا الخيار خاصة أنه غير مربح بأي صورة لذا أقترح إيداعهم -أو على الأقل قادتهم- جميعا إلى مصحات نفسية ليتمكنوا من استكمال جلسات العلاج بالكهرباء .

Followers

Featured Posts