‏إظهار الرسائل ذات التسميات علمانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علمانية. إظهار كافة الرسائل

الكفتة توداي *

1

كوني طبيب أواجه كثيرا صعوبة  في اقناع مريض ما بقوة رأيي الطبي وكسب ثقته وأنا أطرح أمامه مجموعة التشخيصات المختلفة قد تكون هي المتسببة فيما يشتكي منه من أعراض. بالطبع هناك تحاليل وفحوصات يمكنها أن تحسم الأمور. لكن تكلفة هذه الأشياء تجعلها في المرتبة الثانية عندي من حيث الأفضلية مقارنة بالتجارب الدوائية التي تستغرق وقتا لكنها قد تبدو أقل تكلفة. كل هذا وأنا أخاطب المريض ب ربما وممكن وقد وكل هذه الأدوات التعبيرية.
هذا حال العلم. كلما تعلمت أكثر تدرك أنه هناك احتمالات أكبر لأسباب أكثر لتفسير ظاهرة ما وأن هناك شكوك أكثر ومخاوف أكثر بخصوص نظرية ما أو تطبيق ما. حتى الإحصاءات كلها تخضع للقيل والقال والتلاعب Manipulations وإعادة القراءة بحسب الانحيازات العلمية والمادية.
بل إن الطريف أن الإحصاء كعلم تصنف على إنها مادة أدبية في مناهجنا. ورغم أنني لا أعني السبب إلا أنني لا أبدي استغرابا وقد استطاع العقل البشري من تحويلها من آداه للحكم على الأشياء والنظريات والتطبيقات إلى آداه للمراوغة.


2


الدكتور ابراهيم سليمان –كما يدعي- هو طبيب جراح –كما يدعي ولا أعلم علاقة الجراحة بما يلي- يظهر يوميا على قناة الصحة والجمال ويقوم باستضافة مكالمات تليفونية مفبركة من أناس يدعون تناولهم للعقار الذي يصنعه ويدعي أنه عقار ألماني ويعالج الفيروسات الكبدية والسرطانات والسكر والضغط والعجز الجنسي –اكسير الحياة- وله صفحة على الفيسبوك يتابعها 17000 متابع ولم تتم ملاحقته بأي تهمة أو اغلاق قناته المضللة أو التشويش عليها بافتراض أنها تبث من قمر صناعي غير مصري متداخل مع النايل سات في حزمة ترددات.

3

الدكتور أحمد عبده عوض رجل مريض يحتاج إلى مصحة عقلية وطبيب يحمل رخصة وصف أدوية مخدرة فهو يدعي أنه يعالج السحر ومس الجن ويقوم بذلك على الهواء ويؤدي حركات تشنجية بوجهه ويتمتم بأصوات غريبة أثناء مخاطبة الجن الذي أضاب المريض عبر التليفون في قناة الفتح الفضائية ولا أحد يلاحقه بتهمة التضليل أو النصب أو أي تهمة من التهم المطاطة التي يمتلئ بها قانوننا أو يراجع تصاريح القناة أو يشوش عليها.


4

الجلد يغطي جسد الإنسان –والثدييات والطيور- ويعمل كخط دفاع أول ضد غزو الميكروبات للجسم البشري وإذا حدث أي عطب بهذا الخط فإنه سيكون من السهل جدا على الميكروبات اختراق الجسد والتكاثر بداخله وإتلاف الأعضاء الحيوية أحيانا. ولذلك فعندما يصاب أحدهم بجرح ويهمل نظافته فإن الجرح يتحول إلى خراج ثم يعاني المريض من الحمى جراء انتشار البكتيريا في الدم; نفس الأمر حدث مع الدولة المصرية التي توقفت عن محاربة الخرافة حتى تمكنت منها الخرافة.
هذه الخرافة تمثلت الأمس في سنة من حكم الإخوان واليوم تتمثل في إهانة شديدة للمؤسسة العسكرية المصرية ولشرف كل العلماء والمشتغلين بالعلم المصريين داخل مصر وخارجها.

5

لن أحكي عن نقاشات مع الأهل والأقارب بخصوص جهاز الكفتة المزعوم ولن أروي عن أن البعض لازال يعتقد في أمكانية حدوث معجزة من قبيل أن يقود فني معامل ومعالج بالأعشاب فريق من الباحثين لاختراع جهاز لعلاج كل الأمراض. وأن ربنا مع المؤمنين. وأن أحدهم استيقظ يوما ما من نومه فوجد نفسه حافظا للقرآن عن ظهر قلب فلا تسأل عن السبب يا وغد. ومن أنت بجوار الدكتور أحمد مؤنس الذي أيد الجهاز. ومن أنت بجوار الهيئة الهندسية التي تبنت الاختراع المزعوم. لن احكي عن خالد منتصر وما تلقاه من شتائم من أناس يأملون بصدق في وجود علاج لفيروس سي ظنوا أن انتقاده سيؤدي لتوقف المشروع العظيم. ولن أحكي عن أن مهرج مثل باسم يوسف لا يحق له الحديث عن العلم لأنه لا يساوي شيئا في كرش الدكتور أحمد مؤنس.

6

المشكلة اختصارا وإجمالا تكمن في دولة مهترئة أصبحت تنتج الخرافات بدلا من محاربتها ومواطن تم تفكيك عقله وأصبح عسكري في رقعة شطرنج يتم حشده ككيان فيزيائي لا مخاطبته كإنسان مكرم له عقل يستخدمه. لن طيل الكلام في الحديث عن فشلنا في انتاج العلم ولا عن ميثاق تطوير الإعلام الذي تم الإعلان عنه في بيان 3 يوليو ولا وزارة الصحة العاجزة في مواجهة النصابين ولا عن الدولة التي تركت قمرها الصناعي الذي تباهي به الأمم مرتعا للجهلة واللصوص والنصابين ولا عن تعليمنا المتأخر .....
 ولنا الله وحسبنا الله ونعم الوكيل


 ---------------------------------------------------------------------------------------
عنوان المقالة مقتبس من مدونة "الكفتة توداي" 

ثورتنا علمانية

أقول أن ثورتنا علمانية. نعم. ثورة يناير ثورة علمانية. فقد رفعت شعارات علمانية لا يستطيع دين أن يحتكرها وهي العيش والحرية والعدالة الإجتماعية ;رفعها المسلم والمسيحي الملتزم والمتحرر في مواجهة نظام يصف نفسه أيضا بالعلمانية ولم تكن علمانيته بأي شكل موضع نقاش أو اعتراض من التيار الرئيسي الفاعل في المجتمع ;  اللهم إلا استخدامها كذريعة لانتهاك حقوق الإنسان مع ابناء الجماعات الدينية المتطرفة.
وفي المقابل لم ترفع ثورة يناير أي مطالب دينية تتعلق بتمييز دين الأغلبية أو تطبيق شريعته ولم يكن ذلك مطلبا معلنا من الأساس بل كانت المطالب المتعلقة بالدين لا تتعدى مطالبة برفع سقف حرية الدعوة الدينة وعم التعرض لها أمنيا.

ثم جاء التيار الديني واستولى على الحكم ورفع شعارات من قبيل " مصر إسلامية" و "الإسلام هو الحل" وأنه هو من قام بالثورة وحده وأن ثورته –كما يدعي- إسلامية واستخدم في ذلك آلة إعلامية ضخمة لنشر هذه الأفكار وحول المساجد إلى منابر إعلامية رخيصة لتأييد هذه الأفكار.
هذا النظام المتستر بالدين أيضا استخدم العلمانية كفزاعة في مواجهة أعداء الداخل واستخدم علمانيي الداخل في مواجهة ضغوط الخارج!
ثم جاءت ثورة الثلاثين من يوليو لتؤكد لمن لا يستطيع الفهم أن سابقتها في يناير كانت علمانية في مواجهة نظام علماني فاسد وفاشل في مناحي الحياة ولم تجد وسيلة للتعبير عن ذلك سوى عقد تحالفات مع النظام الذي ثارت عليه من قبل. ورفعت في ذلك شعارات علمانية صريحة وكانت بمثابة عقد اجتماعي جديد بعد أن ثبت أن هناك ثغرة في العقد الذي تم كتابته في يناير 2011
; ضمنيا أقصد بالتأكيد.
وكأننا أمام مشهد درامي يضطر فيه المؤلف لعقد تحالفات بين أعداء الامس لتوضيح فكرة أو قيمة معينة.

لا أعرف لماذا الآن يتم التغاضي والتواطؤ ضد وضع علمانية الدولة كنص في الدستور المزمع كتابته رغم كل ما ذكرته ويذكره غيري. ولا أعرف ماذا يكفي اكثر من ذلك لإقناع من لا يقتنع. ولا أعرف معنى لمطاردة جماعة سقطت من الحكم وكرهها شعب بأكمله في أقل من عام وعدم التصدي لأيديولوجيتها الفاسدة في وثيقة الدستور التي نكتبها تأسيسا لجمهورية جديدة.

علمانية الدولة المصرية كانت وستظل مفتاح نهضتها والإقرار بها مفتاح لنيل المواطن كثير من حقوقه وسبيل للإعتراف بأقليات أخرى غير الأقليات الدينية مثل الأقليات العرقية والثقافية ..
علمانية الدولة المصرية دائما اقترنت بنهضتها بدءا من محمد علي وانتهاءا بجمال عبد الناصر.
إنني أطرح العلمانية كحل لمعظم مشاكلنا اليومية وكمنطق لإدارة الدولة وكبداية للتفرغ للمشاكل الأكثر إلحاحا من التساؤل عن جواز تهنئة الأقباط في أعيادهم!

عن علمانية الدولة وعلمانية المجتمع

أشعر بأن الأرض الآن اكثر ثباتا تحت قدمي وأنا أتكلم عن العلمانية كمواطن مصري. كما شعرت بكل نرجسية انني من هؤلاء الذين صنعوا انتفاضة 30 يونيو ضد الحكم الإخواني رغم أن مشاركتي في الحياة العامة تكاد تكون مقتصرة على الكلام على مواقع التواصل الاجتماعي ..
الآن لدي الرغبة للحديث مرارا وتكرارا عن العلمانية ومن موضع قوة وبكل ثقة ومن نفس المنبر الذي تحدثت منه سابقا..

 كاريكاتير بجريدة النيويورك تايمز للرئيس المعزول مرسي وهو يقول أن الفرق بينه وبين نظام مبارك أنه ليس علمانيا. 

أحد الأسئلة التي طرحت علي عن العلمانية كانت : ما الفارق بين علمانية الدولة وعلمانية المجتمع؟
ربما يبدو السؤال معقد للبعض لكن الحقيقة غير ذلك.
الإجابة على هذا السؤال يجب أن تبدأ بتوضيح الفارق بين الدولة والمجتمع.. الدولة والإنسان.. الآلة والإنسان.
إذن فالدولة هي مجرد آداة اخترعها الإنسان لتسيير حياة المجتمعات البشرية, بالطبع تتمثل الدولة في هيئة شخوص لكنها في النهاية آلة مثلها مثل السيارة مثل الطائرة مثل القطار.
أما المجتمع فهو مجموعة أفراد -وأنا هنا أحب أن اتكلم من منظور فردانية الإنسان- ولكل إنسان افكار ومعتقدات وعبادات وعادات.
فلا يمكن المساواة بين الشئ والإنسان. الإنسان هو من صنع الدولة لتخدمه وتيسر عليه حياته. والدولة -متمثلة في شخوصها- يجب أن تلتزم بالحيادية تجاه أفراد المجتمع وتحترم فردانيتهم من حيث المعتقد والفكر والطباع والإنسانية ككل.
إذا فعلمانية الدولة تعني حيادها تجاه الأفراد معتقداتهم واحترامها لحرية العقيدة بشكل كلي أو ما اتفق عليه من تعريف بأنها فصل الدين عن الدولة.
اما علمانية المجتمع فهي موضوع مختلف تماما.
علمانية المجتمع لا تعني أن يؤمن أفراد المجتمع بفصل الدين عن الدولة فالعلمانية هنا صفة سياسية بحتة. 
علمانية المجتمع بنظري هي نوع من الإنغماس في الحياة المادية والتخلي عن الدين كدافع شخصي في حياة الإنسان. ويعد هذا من قبيل ترشيد التدين. فالحياة الشخصية مليئة بالكثير الذي قد يتعارض مع الدين الذي يؤمن به الإنسان. فيضطر الإنسان -او قد يختار بإرادته ولراحته- أن يفصل بين معتقده وعقيدته الدينية وحياته الخاصة بمجرد أن يخرج من دار العبادة. أو أن يمارس حياته اليومية على أساس نفعي يخلو من الرحمة التي أمرت بها الأديان ثم يتلو صلواته قبل النوم ..

الربا -مثلا- محرم في الاديان السماوية الثلاثة; فإذا افترضنا ان الدولة تملك بنوكا تعمل بالربا -لا أقصد الفوائد فالفوائد ليست ربا- فهذا يعد فصلا للدين عن الدولة تتم ممارسته بواسطة الدولة إذن هذا يعتبر علمانية دولة.
اما إذا رأينا مجتمع يعمل أفراده بالربا بدون أي تدخل أو توجيه أو تسهيل من الدولة فهذا فصل للدين عن الحياة الشخصية يتم ممارسته بواسطة المجتمع -أفراده- فهذا يعتبر علمانية مجتمع.

بقي أن أقول أن العلمانية  - سواء علمانية الدولة أو المجتمع- لا تعني بالضرورة خرق الشرائع الدينية بالضرورة أو فعل ما تنهى عنه الاديان فهذا اتهام ثقيل والإنسان بطبعه خطاء من قبل ظهور الاديان ومن قبل ظهور العلمانية كفكرة من الأساس.
لكن العلمانية تعني التحرر من سلطة وسطوة رجال الدين في وجه والتحرر من التقييدات الدينية الشديدة والتي فرضت على الإنسان من آلاف السنين في وجه آخر; والمجتمعات البشرية كما نعلم تطورت وأصبحت أكثر تعقيدا ولم يعد ممكن بأي منطق الالتزام بالتصور الديني للدولة كما نزلت به الاديان من آلاف السنين.
 وأنا هنا لي تدوينة عن التصور الديني للدولة أو أنه ليس هناك من الأساس تصور ديني للدولة بعنوان : رأي بسيط في الحاكمية.

أما عن رأيي وميولي الشخصية فأنا بالتأكيد مع علمانية الدولة ولست مع علمانية المجتمع أو ضدها أحيانا.

حتى لا تتكرر المأساة

يصف جمال حمدان الاحزاب الدينية بالعصابات الطائفية التي هي " مافيا الاسلام" ويشترط لتقدم مصر والعرب والعالم الاسلامي "شنق اخر الجماعات الاسلامية بأمعاء اخر اسرائيلي في فلسطين."
أنا لا أريد أن أورط اسم الرجل في دعوة لقتل أو حملة اغتيالات أو غيره لا سمح الله.. في قلبي من الغل ما يغنيني عن التذرع بقولة هذا الرجل من الأساس . لكني أريد أن ننتهي من هذا السرطان الذي نهش جسد الأمة طوال ثمانين عاما.. هذه الجماعة والجماعات التي تأسست على أثرها وتولدت منها حتى يومنا هذا ..
كيف ؟ الأزمة في رأيي ورأي الكثيرين ان هذه الجماعات ماكانت لتنشأ إلا في وجود الاستعمار الغربي وماكانت لتنمو إلا في وجود الفقر والجهل والظلم وما كانت لتصل للحكم وتتمكن إلا بدعم من الغرب والصهاينة .


هل يكفي العمل على مكافحة الظروف التي أدت لنشأتها ونموها وتمكنها؟ لا أعتقد.. فركوبهم على ثورة يناير 2011 وآمالنا الخائبة طوال عامين ونصف مضوا ليسوا إلا براهين على سذاجة تلك النظرة فقد أحبط الإخوان وأعوانهم كل محاولة لنشر التنوير بين الشعب بأساليبهم المعتادة . هذا الفعل مطلوب لكن ليس بمفرده.
يجب اتخاذا إجراءات عملية وعلنية وصريحة لمنع قيام جماعات سرية أو جماعات دينية تعمل بالسياسة أو أحزاب سياسية تتبنى أيديولوجيات لها علاقة بالأديان. ويجب تغليظ العقوبة على من يستخدم الدين للدعاية السياسية أو للتشهير السياسي أو من يستخدم دور العبادة للعمل العام.


يجب البدء فورا ومن الآن في إصلاح الخطاب الديني وإصلاح الصورة النمطية للإسلام في أذهان المسلمين أنفسهم. يجب أعادة قراءة والتعامل مع الإسلام كدين علماني ولا يتعارض مع علمانية الدولة وفي هذا الباب كتب وتكلم أئمة عظام أذكر منهم الشيخ أمين الخولي والأستاذ جمال البنا واستقاء مبادئ العلمانية من المتنورين في التاريخ الإسلامي مثل أبي حنيفة وابن رشد .. الخ

ويجب كذلك إعادة نشر أفكار ضحايا الإرهاب ومثقفي االتيار العلماني المصري الذي لا يخشى أن يصف نفسه بالعلمانية أمام مجتمع متحفظ أو واقع تحت سيطرة الظلاميين وأخص بالذكر شهيد الكلمة دكتور فرج فودة الرجل الذي دفع حياته ثمنا للحقيقة أو الدكتور نصر حامد أبو زيد وغيرهم..

نحن أمة لا تقرأ وحتى تأتي أجيال تقرأ وتتغذى على الكتب يجب اعطاء دفعة قوية للحركة الفنية والثقافية في مصر مثل تقديم الدعم المادي أو دعم الفنون الشعبية ونشر وتسجيل جرائم الجماعات الإسلامية بشكل فني حتى لا نفقد الذاكرة كما فقدناها من قبل ..

باختصار يجب أن ننمي مجتمعنا ونعطيه المنشطات والمضادات الحيوية اللازمة للتغلب على هذا الميكروب القاتل..  ويجب أن نعلم أنه سيكون هناك ضحايا وهناك إخلالا بما ناضلنا من أجله من مبادئ لكن درء الفتنة يستلزم القوة والحزم وليسامحنا الله

-----------------------------------------
تحديث بتاريخ 11/7/2013:

*هذه الورقة ليست برنامج انتخابي لكنها استراتيجية مقترحة غير محدودة بزمن للتنفيذ.
* فكرت كثيرا أن أذيل هذه التدوينة بمأثورة الفنان الصحفي المناضل مجدي حسين "يجب ان نقسم بالله أن يظل كل ما نقرأه في هذه المدونة سري ولا يخرج من بيننا ~ بتصرف" لكن لم يمنعني سوى رغبتي بأن تحقق هذه التدوينة عدد معقول من المشاهدات يكفي لرفع معنوياتي المنخفضة للغاية; لذلك لا تبخل بمشاركة تدويناتي على مواقع التواصل الاجتماعي يا صديقي .

رحلتي مع رحلة المسيري


ربما هي المرة الأولى التي أكتب فيها معلقا على كتاب قرأته كتاب لم يصدر حديثا بل هو متاح على الأرفف منذ اثنا عشر عاما تقريبا .. لماذا .. ربما بسبب الضجة والصخب الفكري اللذان يرافقان إسم المسيري وأفكاره وتلاميذه والمتعلقين به وبشخصه وبأفكاره والذين هم وللحق شئ يفتخر به المسيري نفسه ومن كان له معجبون مثلهم .. ولم لا والرجل صاحب طرح وؤية جديدين في مواضيع متعددة وله إنجاز عظيم -الموسوعة- يعطيه الشرعية الادبية والأخلاقية للتحدث عن أي شي وكل شئ ..

بمجرد أن تجاوزت بضع عشرات الصفحات حتى أحسست أنني أجلس أمام أحد أصدقائي المعروف عنه تأثره وربما تتلمذه ب/على أفكار ومبادئ المسيري.. ربما معرفتي المسبقة بأنني قد اتأثر بشكل لا إرادي بالكتاب وقد امتدحه من أثق بهم ومن هم منغمسون بين الكتب والمكتبات أكثر مني بمراحل جعلتني استعصي واستدعي ذاتي الرافضة والناقدة طوال رحلتي مع الكتاب ومؤلفه ..
الرجل كتب سيرته الذاتية باحترافية شديدة  وبأسلوب جذاب خفيف الظل يتسلل إلى قلبك وعقلك بطرائفه ومواقفه ووصفه لشخصية كاتبه .. الأسلوب الذي تقرأه ويجعلك تقارن شخصك بشخص المؤلف وتتبضع من صفاته كما لو أنك تضيف البضائع إلى عربة التسوق أثناء تجولك في السوبر ماركت ؛ تعجبني هذه الصفة تعجبني هذه القافية يعجبني هذا التناقض تعجبني هذه اللازمة تعجبني هذه العقدة خفيفة الظل .. إلخ

لا أعلم لماذا هذا الرفض الشديد مني ألا أقبل أي من أفكار هذا الرجل بالتحديد دون قراءتها والتأمل فيها ومحاولة نقدها إن أمكن والاختلاف معها إن استطعت .. لعله رفض للتنمط الفكري والتسليم لرجل أعلم يقينا أنه يمثل وأسس لتيار كبير من المثقفين وربما اختلافي أو عدم فهمي لأتباعه أو استهجاني لهم أو عدم رغبة في أن أكون فردا مثل آخرين .. ولا أعتقد أن المسيري يرضى بأن يكون محبيه وتلاميذه صورة كربونية منه ..

ورغم كل ما أدعيه من تعنت وتعسف في قراءة سيرة الرجل إلا أنني لا أنكر اعجابي وتأثري واقتناعي ببعض أفكاره والتي تعتبر جديدة علي تماما -فأنا غير موغل في قراءة الفلسفة وكثيرا ما أهملت القراءة بشكل عام بسبب انشغالات الدراسة- مثل كلامه عن ثنائية الإنسان والطبيعة  ووهم اليوتوبيا وتفنيده للأفكار الصهيونية بطريقة عميقة للغاية -هي جوهر الموسوعة-  معتمدا على نماذجه التحليلية الثلاثة ؛العلمانية الشاملة والحلولية والجماعة الوظيفية .. بالإضافة لتفاعلي مع اطروحته عن المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي وإن كنت شعرت بأنه يميل للمجتمع التراجمي وشعرت أنني -كإنسان- أستطيع ان اعيش بشكل أفضل في مجتمع تعاقدي بشكل أكثر مما نحن عليه الآن ولذلك شعرت باختلاف مع ميله للمجتمع التراحمي برغم هذا فالرجل عرض النموذجين بشفافية وأمانة مكنتني من تبني وجهة نظر مغايرة لرأي الكاتب  ..

بالإضافة لاتفاقي واختلافي مع الكاتب في آراءه وجدته يتحدث عن أمور كانت تشغل بالي قبل أن أقرأ الكتاب بسنوات مثل دعوة الرجل لابتكار أشكال جديدة من المرح واللهو والترفيه غير تلك التي تصدرها لنا وسائل الإعلام وأن الآلة الإعلامية هي التي تجعل من فعل ما فعل ترفيهي شيق أغلب الأحيان .. وكذلك حديثه عن المعمار والبناء والقبح الذي استغرقت فيه مصر بعد ثورة يوليو ومع توافد أموال النفط على مصر وحديثه عن العلاقة بين الدين والحضارة والفنون المعمارية وطرافة ما فعله في عمارته في مصر الجديدة والذي ولد بداخلي فضول شديد لرؤية منزله!! كذلك عن إعجابه بفكرة الاغتراب واعتبارها نزعة حسنة ويجب النظر لها بشكل إيجابي لا سلبي كما ينظر البعض ..

المسيري استغرق كثيرا وأسهب في شرح اطروحاته الفلسفية بشكل أرهقني كثيرا -وانا أصنف نفسي كمبتدئ دائما- خصوصا عندما تكلم عن المادة والروحانيات في نهاية الجزء الأول واستعمل الشعر الإنجليزي كأمثلة ؛ شعرت بملل شديد دفعني لتحاوز عدد من الصفحات -وتكرر نفس الأمر في مواضع اخرى- حتى وجدت نفسي أمام مقطع شديد التركيز وثمين القيمة وجديد على مسمعي عن سر اقتناع المسيري بالإسلام ..
وهي وجهة النظر التي أيدها -واقتنعت بها- برفضه لفكرة الحلول في الأشعار والأدبيات الصوفية ..


ما يهمني بشكل شخصي وهي قضيتي الفكرية الرئيسية في مرحلتي الحالية هو "العلمانية" ولعل كتاب المسيري عن العلمانية الجزئية والشاملة -الذي لم أقراه بعد ولا أعتقد أني سأفعل في القريب- هو الذي شجعني على التعرف إلى الرجل والأفكاره ..
بالطبع طرح المسيري عن العلمانية الشاملة والجزئية في سيرته الذاتية كان مقتضبا مقارنة بكتاب من جز~ين عن ذات الموضوع لكنه كاف لي لأنتقد وجهة نظر الرجل ولعلي لا أجد افضل مما كتبته على موقع تويتر بعد قراءتي لهذا الجزء من الكتاب ..

مما قرأته النهاردة من رحلة المسيري الفكرية.. المسيري يدعو لترشيد العلمنة "العلمانية" متناسيا عدم وجودها في عالمنا العربي من الأساس .
المسيري يلوم على المثقفين العرب منادتهم وتبنيهم للعلمانية الغربية بحذافيرها دون أي تعديل .. وكإننا يمكن أن نعدل شئ لم نمتلكه بعد ..

المسيري في عرضه الموجز لعلمانيته الجزئية في سيرته الذاتية يفتح الباب لتعريص الكثيرين في زمننا الحالي . حزب الوسط مثال صارخ على ذلك

هذا بالإضافة لما أراه خلطا بين علمانية الدولة وعلمانية الفرد وأن صكه للمصطلحين سيفتح الباب أمام فاشيات دينية للقول بأنها تطبق العلمانية الجزئية


رحم الله عبد الوهاب المسيري واسكنه فسيح جناته

-------------------------------------------------------------------------------
تحديث بتاريخ 29\4\2013 : بالامس قررت اتباع نصيجة المسيري بخصوص الجوارب واشتريت ثلاث أزواج من الجوارب من نفس اللون ولعلي شعرت بشئ من البهجة لأنها المرة الأولى تقريبا التي أطبق فيها شيءا قرأته في كتاب بهذا الوضوح منذ زمن بعيد ..

مبارك العلماني


"إن مصر دولةٌ علمانيةٌ تفصل الدين عن السياسة، لكنها تعتمد الشريعةَ الإسلاميةَ مصدراً أساسياً للتشريع" هكذا قال أحمد نظيف في مقابلة مع قناة العربية قبل ثلاثة أشهر من الثورة التي أطاحت به أول ما أطاحت .. هل هذا يروي ظمأ المتطلعين للعلمانية في مصر وبخاصة المتطرفين منهم أمثالي ؟
في الواقع نظام مبارك ضرب العلمانية والليبرالية والإشتراكية وكل الأفكار في مقتل .. كان مبارك العلماني هذا لا يكف فقهاؤه عن الدعاء له على المنابر والدعوة بحرمة الخروج عليه أو الاعتراض على سياساته -بعض هؤلاء يملأ الدنيا ضجيجا باسم الإسلام والثورة الآن-. مبارك العلماني أيضا هو الذي وافق على إنشاء عشرات القنوات الوهابية على النايلسات وهو يعلم ما بها ولكن لا ضرر طالما أنها لا تعارضه بل كلفهم الأمن بمهام متطورة من حيث القذارة وهي مهاجمة المعارضين له وتسفيههم وتسفيه أدواتهم السلمية .


سياسات مبارك لم يكن فيها انحياز واضح لأي أيديولوجية ومن الغباء وصفه بالعلمانية لأن هذا إهانة للعلمانية نفسها فهو الذي تواطأ مع الإسلاميين على نبذ مصطلح العلمانية من القاموس السياسي المصري .. بالفعل نجح مبارك في شل يد الإرهاب -حركيا- في التسعينات لكن آلته الإعلامية -وكانت متفردة حينها على الساحة- تخاذلت عن تلميع الفكرة التي يصف نفسه بها أمام الغرب وعجز فشله السياسي والاقتصادي عن تبييض وجوه المبشرين بالعلمانية في حينها أو ربما أدى فشله وفساده لإلتحام أشد القوى العلمانية تطرفا باليمين الإسلامي الفاشي لإسقاطه كما حدث في ثورة يناير المجيدة.  بل إنه سجن ونكل معارضينه المنتمين لليسار وللليبرالية على حد سواء.. بل إنه ترك المجال للإسلام السياسي في المساجد والإعلام والصحافة والجامعات طوال 30 سنة من حكمه .. حتى هذه القوى السلفية التي استضعفها بآداته القمعية لم يحاول وأد أفكارها أو عزلهم عن المجال العام بل حولهم لآداه تضفي القداسة والشرعية الدينية على حكمه المديد ..



مبارك العلماني هو الذي أفسد بأمن الدولة كل المحاولات الجادة لتكوين معارضة مدنية جادة تبادل معه السلطة أو تنازعه أضواء الكاميرات. ولم يبق سوى قوى الإسلام السياسي تداعب خيال البسطاء من على المنابر والفضائيات عن الحكم الإسلامي وبحور العسل واللبن . بل إنه كان يعقد الصفقات مع الإسلاميين دون غيرهم من المعارضة .. هو من فعل هذه الثنائية "الحزب الوطني/ الإخوان".
هل تريد أن تعلم ماذا فعل مبارك بالعلمانية ؟ أنظر من تنافس في الجولة الثانية لإنتخابات رئاسية حيث تنافست علمانية مبارك متمثلة في الزعيم المخمور أحمد شفيق وحفيد حسن البنا الذي عاش في امريكا بضع سنوات ولا يستطيع إكمال ثلاث عبارات بالإنجليزية بدون تهتهة ..
جدير بالذكر أن كل ما قيل في مبارك في هذا الموضوع ينطبق على العسكر ومجلسهم وهي تجربة قريبة وقصيرة وموجزة وبها نفس تفاصيل الأيام المباركية الخوالي ..
بعد كل هذا يترحم السذج على أيام مبارك لأنه كان علمانيا!! 
 صديقي العلماني : أنا أيضا علماني مثلك والأخوة اللي بيننا تقتضي القول إن مبارك مجرد إبن وسخة اللي بيكسب به بيلعب به وكذلك أتباعه وفلول نظامه .. عايز علمانية انضم لأحد الأحزاب اللي اسمها مدنية أو ساهم في تكوين تيار علماني قوي لا يستحي من إسمه وله أتباع يعرفونه بإسمه وانحت في الصخر وثقف نفسك واتكلم مع الشعب واكتب وعبر عن نفسك .. ترحمك على أيام مبارك أو التعاون مع فلوله لن يجلب لك سوى فساد عصره وفشله وبعض مظاهر الحداثة الفارغة وهذا ما لا نرضاه..

هو سَمَّاكُم المسلمين

أعلم أن الكثيرين طرحوا هذه الأمور للنقاش وأن ربما طرحي لا يضيف جديدا لكني في الحقيقة أكتب لأسجل موقفي لعلي أسأل عنه يوما ما ولعلي أفيد أحدهم إن مر بهذه الصفحة عابرا في بحور الويب ..
ماذا يطرح الإسلام السياسي حتى ينتخبه مواطن عاقل ولديه الحد الأدنى من العقل النقدي ؟ هم مجرد سعاة في طلب السلطة يصوروا لأنفسهم ولناخبيهم  صفات ومميزات وهويات من اللاشئ وتطرح اللاشئ .. بل إنهم يرجون لبضاعتهم الخاوية هذه بأساليب فاسدة وتخالف مايدعون به وما يؤمنون به ..
فمثلا يقول أنصار الإسلام السياسي في عدم جواز ولاية غير المسلم ويقول مدعو التفتح فيهم بأن الحكم والرئاسة طالما محدود بدستور وقانون فليست ولاية عامة ثم لا ينفكون يقولون هذا مرشح الكنيسة وهذا نصراني وهذا خادم الصليب ..
ألم يعلموا أنه في عهد الخلافة العباسية كان هناك وزراء من النصارى تقلدوا وزارة المالية أو ما يوازنها في عصرها .. وأن النصارى في عهد الدولة العباسية كانوا يشرفون على تربية أبناء الخليفة وتعليمهم ؟
ثم هم يطرحون الشريعة الإسلامية ويعدون بتطبيقها إذا فازوا بالمقاعد ثم يخلفون وعدهم ولا يطبقوا منها إلا ماهو شاذا أو موضع خلاف أو يلبسوا مصالحهم الخاصة برداء الشريعة أو يظهروا من الأفعال والأقوال ما يخالفها هم أو مؤيديهم ؟
ما هذه الدوجمائية الفاسدة ؟! اليس القرآن يقول ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ القصص: 26 فهل هؤلاء أمناء أو أظهروا من الأمانة ما يدعونا لاستئجارهم ؟ هؤلاء يسوقون لأنفسهم أنهم إسلاميين  وعندما يرد العلماني بأنه هو أيضا مسلم يردون قائلين لا يكفي أن تكون مسلما يجب أن تكون إسلاميا ! يكفي لماذا ؟ بحق .. يكفي لماذا ؟ لرضاك أنت وطائفتك ؟ أم لرضا الله ؟ الله يقول في صورة الحج   هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ وأنت تزايد على الله ؟! يا لبجاحتك يا أخي !

******************

يروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه -وكان تاجر قماش غني جدا ومشهور في بغداد بجانب تفقهه في الدين- أنه جاءه رجل وطلب ثوب حرير، فقال لأبنه حماد: يا حماد، أخرج ثوباً. فأخرج حماد ثوباً ونشره -أي فرده كما يفعل تجار القماش- قائلاً: صلى الله على محمد..! فقال أبو حنيفة: "مه قد مدحته"..ورفض أن يبيعه، وتجول المشتري في السوق يبحث عن ثوب آخر، ولم يوفق فعاد إلى دكان أبو حنيفة أشد ما يكون حاجة إلىالثوب، وأظهر ما يكون استعدادا لدفع الثمن، ولكن أبو حنيفة في غير مخاشنة، ولا مشاقة، بل في سماح، رفض أن يبيع حرصا على عدم استغلال الدين لأجل الدنيا .. هكذا يعلمنا الإمام الأعظم أبو حنيفة عن احترام دين الله .. فالدين جاء لتهذيب النفوس وتربية الرجال لا لطلب الدنيا والدنانير ومدعي الإسلام يتاجرون في الدنيا على المنابر مروجين لأحزابهم ومكفرين لمنافسيهم وقد قال الرسول ص : إذارأيتم الرجل ينشد ضالته – يعني في المسجد – فقولوا : لا رد الله عليك ضالتك ..

هذه هي الشريعة التي يدعون إلى احترامها وهم أول من يخرقوها ..

********************

يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات-113 .. إن أكرمكم "عند الله" -وليس عند الناخب- أتقاكم ويأتي في هذا السياق مفسرا قول سيدنا عمر بن الخطاب :  لا تَنْظُرُوا إِلَى صِيَامِ أَحَدٍ وَلا صَلاتِهِ وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِهِ إِذَا حَدَّثَ , وَأَمَانِتِهِ إِذَا ائْتُمِنَ , وَوَرَعِه إِذَا أَشْفَى "  أي أن العبرة بالمعاملة والمعاملة فقط ولا عجب وقد عرف الرسول ص في مكة قبل البعثة بالصادق الأمين .. أين أنتم من صدق الرسول وأمانته وأنتم تحتكرون الحديث بإسمه وتمثيل دينه ..؟

هذا حال الإسلام السياسي من يوم أن وجد .. بضاعة فاسدة ودعاية فاسدة .. هم فعلا في أزمة وجودية ؟ من أنشأ الإسلام السياسي ؟ ولماذا ؟ وما مميزاته ولماذا يفشل دائما؟ ولماذا يعادي التطور ولماذا يفتت الأمة ولماذا ينتهج العنف أو التضليل أو كلاهما ؟ ولماذا يسعى إلى قولبة الناس في قالب واحد وقد خلقنا الله مختلفين وأراد لنا الإختلاف والتعايش على اختلافاتنا .

رأي بسيط في الحاكمية

بسم الله  ..
في الحقيقة تصور السلفيين -وهم التيار الفكري الأساسي بين صفوف الإسلام السياسي- عن حاكمية الله عجيب ومخجل وبه نوع من الرومانسية الساذجة أو المزايدة بالدين في طلب السلطة .. نعم يا صديقي كل هذه التهم في عبارة واحدة .


فهي تقتطع الآيات القرآنية من سياقها ثم تأخذها على ظاهرها ثم تقول أمور مسلم بها مثل "السيادة لله" ثم تقحم هذه "السيادة لله" في صراع مادي على منصب أو كرسي خشب ..
في نظري الحاكمية نظرية قائمة على عدم اعتراف من ابتدعها بحرية العقيدة  سواء في اختيار الدين أو داخل الدين .. وكم من التجاوز لهذه النقطة في أدبيات الإسلام السياسي لهذه النقطة .. كما أنها ليست مما يظهر لنا من أركان الإسلام المنصوص عليها في حديث الرسول ص الشهير ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله و إقام الصلاة , وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ) متفق عليه أخرجه البخاري ولا من أركان الإيمان في الحديث الشهير الذي رواه مسلم "أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ , وَمَلائِكَتِهِ , وَرُسُلِهِ , وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ" 

وبدون أن أدخل في علوم العقيدة سوف أشرع مباشرة في مناقشة مايهم واقعنا .. وهل فعلا "إن الحكم إلا لله" التي يقولها السلفيين والإخوان في طلب السلطة هي "إن الحكم إلا لله" التي يقصدها القرآن ؟
 وردت إن الحكم إلا لله في سورة يوسف مرتين  الأولى:
{مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
يوسف40

وكانت تعقيب من سيدنا يوسف على كلامه مع رفيقيه في السجن وعلى عبادتهما لغير الله ولو كان سيدنا يوسف يقصد بها اعتراضه على نظام الحكم في مصر لكان رفض أن يكون جزء من نظامها السياسي بعد أن خرج من مصر وبخاصة أن القرآن لم يخبرنا عن دور دعوي لسيدنا يوسف أو عن خلاف سياسي مع عزيز مصر  ..
 وذكرت المرة الثانية في :
قَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يوسف 67

وهي في وصية سيدنا يعقوب لأولاده  وهو يوصي أبناءه بالحذر عند خول مصر ويقولها معقبا وواضح من السياق أنه يقصد أن القضاء والقدر كله بأمر الله وأن لا راد لحكم الله ..
إذا العبارة  تتحدث عن توحيد "عبادة" الله في الآية الأولى وعن "القضاء والقدر" في الآية الثانية وهما شأنان لا دخل لهما بأي صراع سياسي دار في قصة سيدنا يوسف كما أنها موضع اتفاق من كل المسلمين والإختلاف عليهما حق منحه الله للإنسان طالما أن هناك بعث ونشر وحساب وجنة ونار ..

*****************

في الحقيقة -وكما فهمنا مما سبق- أننا عندما نقول "إن الحكم إلا لله" فإنا نعني أن كل الوجود وما علمنا وما لم نعلم في قبضة الله  وهذا مسلم به عندنا كمسلمين .. لكن الصيغة التي يتم بها تناقل هذه العبارة القرآنية تعني وكأن هناك من يبحث عن حق الله في حكم بلد ما وكأن -والعياذ بالله- الله عاجز عن إتيان حقه -تعالى الله-  أو أن الله الذي خلق هذا الكون طرف في نزاع على سلطة مادية حقيرة ولهذا أرى أن إقحام هذه الآية القرآنية إهانة أو إزدراء -كما هو شائع اليوم- للذات الإلهية مالم تكن استخفاف بعقل المتلقي .. 


******************

في الحقيقة عندما يصل الجدل العلماني-الإسلامي إلى ذروته يكون الخلاف هو مصدر التشريع ويكون التشريع هو المقصود بفكرة حاكمية الله -وهذا لا ينفي عنها التهم التي ذكرتها سابقا-  ..
أود ان أذكر ثلاثة مبادئ يبدون لي كمسلمات ..
الأول: أن غاية التشريع الإسلامي هي العدل. طبقا لقول إبن القيم  "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط. وهو الأساس الذي قام عليه ملكوت السماوات والأرض. فأينما كان العدل فثم شرع الله ودينه وإن لم ينزل به وحي أو ينطق به رسول".

الثاني: أن جوهر العدل المساواة وليس غلظة العقوبة أو لينها .
الثالث: أن لا مفر من الخلافات الفقهية ..

هنا أنا سوف أدافع عن التشريعات الوضعية
يقول الله عزل وجل :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[النساء:65]
أي أن المؤمن الحق هو الذي يلجأ إلى ما في القرآن والسنة من تشريعات ..
حسنا .. ضع بجوار الآية السابقة الآيات التالية :
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) . الكهف 29
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [يونس : 99]
{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (البقرة:256)


إذن لايمكن إجبار أحد بشكل ما على الإيمان وبالتالي التقاضي أمام تشريع معين إجبارا .. حتى ولو كان يدين بنفس الدين الذي جاء منه التشريع ..
لابد إذا من خلق أسلوب للتوافق بين الناس والناس وبين الناس وحكامهم حول ما التشريع الذي سنتقاضى أمامه .. هنا تنشأ فكرة العقد الإجتماعي .. العقد الذي يتجسد في الدستور والقانون .. وهما مجهود بشري  بحت  يقول الله عز وجل :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}النساء
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة

ويقول الرسول ص في حديث آخر:
" الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالا ، وَأَحَلَّ حَرَامًا , وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ إِلا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالا " .
أي أن العقود -العقد الإجتماعي- -التشريع الوضعي- ليست حراما على مالم تحرم حلال أو تحل حراما وطالما حققت العدل بين الناس بخاصة أن  القرآن والسنة لم يغطوا كل جوانب الحياة في تشريعهما وأن رسول الله قال :
ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا }.
أي أن ما يتشدق به الكثيرون عن كفر هذا المذهب وهذه الأيديولوجية يقع في منطقة العفو كما أن الإصرار على تطبيق نظام ما أو تشريع ما يهدد السلم الإجتماعي ووحدة البلاد مثلما حدث في السودان وحيث أن الصراع على السلطة أو إدارة البلاد هو من الأمور المادية أو الدنيوية يقول الرسول ص في حدث تأبير النخل الشهير " أنت أعلم بشؤون دنياكم" وكأنه يرسل لنا رسالة مفادها لا تلتفوا لمن يتحدث بإسمي طالبا منصب أو جاه فأنتم أعلم بشؤون دنياكم ..


 ********************

في النهاية أتركك صديقي القارئ مع حديث بريدة عن رسول الله حيث قال في حديث طويل :
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ ................. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لا. رواه مسلم (9/150).

حيث يخبر الرسول أن الأحكام التي نسير بها دنيانا وشؤوننا المادية يجب أن تصدر باسم الشعب أو أي شخص آخر لا بإسم الله ورسوله لئلا رجعنا فيها فنسئ إلى الله ورسوله  وأن إعمال العقل خير من السير وراء تفسير مشوه لنص قرآني أو حديث شريف ..


والله أعلم

علمانية فور داميز

أزمة فقهية بسيطة ومعقدة في آن واحد.. تناقل بعض الطلاب في المدينة الجامعية بالزقازيق خبر أن أحدهم يصطحب صديقان مسيحيان ليذاكروا داخل مسجد المدينة ويدخنون السجائر أثناء المذاكرة..
وجود كلمة مسيحي في الموضوع يجعل ألسنة البعض لا تنطق سوى بكلمة حرام.. ولما تدخلت لأوضح أن الأمور بسيطة يبادرك أحدهم يقول : انت ليبرالي وعلماني وماتفتيش في الدين. وكإني كافر مثلا..
طب يا جماعة الخير الآية القرآنية بتحرم دخول غير المسلمين للمسجد الحرام بس مش كل المساجد لإن الأرض كلها مسجد لأي مسلم.. مين يسمع؟ انت متساهل ومفرط في دينك.. ولازم يحترموا بيت ربنا.. وكثيرا من ألحان هذا المقام..
بل ذهب البعض في الافتاء إلى التساؤل ماذا إن كان هذا المسيحي جنبا ودخل الجامع؟.. وأنا أتساءل وما أدراك أنني حين أدخل المسجد لست جنبا؟
كم من الهراء والخراء الفكري تم تناقله في اليوم الثاني في مكتب مدير المبنى باعتباره أبا حنيفة وهو غير متعمق في الدين على الإطلاق.. تساءلت: ياجماعة فين حسن الخلق؟ انتوا ماسمعتوش عن الرسول ص لما ترك الأعرابي يكمل بولته في المسجد مخافة ان يفزعه..؟ وتلاقي كل أنواع اللامنطق في الردود لما تقولهم دليل.. مثلا يقولك: يعني هما المسيحيين بيخلوا حد مسلم يدخل الكنيسة بتاعتهم؟ أرد واقولهم أنا نفسي دخلت الكنيسة بكل حرية وسهولة.. يقعدوا يبرطموا..
الخلاصة إن أنا كنت عايز اقنعهم بفكرة ان مش نهاية الدنيا ان حد مسيحي يدخل مسجد.. والصراحة تقبلوها لإن ماعندهمش سبب ديني مقنع لرفضها بس اشترطوا الالتزام بآداب المسجد ومايشربش سجاير جواه.. الغريب إني وأنا باصلي المغرب النهاردة لقيت واحد فاتح مجلة فيها صورة لهيفاء وهبي وبيبحلق فيها بالإضافة لإن المسجد بقى قاعة نوم عشان فيه مراوح وكدة غير انهم أحيانا بيشغلوا أغاني على موبيلاتهم وحد سب الدين قبل كدة في المسجد وقال ألفاظ قبيحة جوة المسجد والناس سكتت لمجرد انه مسلم..
المهم إننا خرجنا بحل علماني يجنبنا الأزمة دي وهي ان ممنوع حد يجيب صحابه من خارج المدينة وإن تدخين السجاير داخل المسجد ممنوع عالمسلم والمسيحي وغير كدة من حق أي حد يدخل أي حتة.. بس بعد ماشوفت المرار الطافح من العقليات المريضة اللي بتستسهل تقول حرام ولا يجوز وعندها عصبية تعميها عن الاستماع لرأي ديني صحيح لمجرد انه مش على هواها رغم انهم عملوا المشكلة بسبب الدين مش بسبب ان العيال المسيحيين ريحة رجلهم وحشة :-) ولا إن السجاير بتجيب حساسية..
وأبسط حجة ممكن تتقالك لو قلت معلومة فقهية انت عارفها مش على هواهم إنك ليبرالي أو علماني.. وطبعا الناس بتصدق أي عيل بشخة عنده شعرتين في وشه وانا غلبان يابيه مدمن جيليت ;-)
الخلاصة إننا عندنا أزمة وعي مالهاش علاقة بمين الرئيس الجاي.. كل اللي نقدر نعمله اننا نحاول نمنع استغلال جهل الشارع لتمرير دستور متطرف دينيا ونبدأ فورا في تنوير الناس.. دي معركتنا الحقيقية.. الوعي..

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة


دي سلسلة مقالات كتبها السيناريست العظيم أسامة أنور عكاشة في جريدة الأهرام بيتكلم فيها عن الهوية العربية وكينونة الهوية بصفة عامة.. جمعت لينكاتها للي عاز يقرأها على أمل ان أقرأها أنا كمان واكتب فيها يوم من الأيام

روابط المقالات:



الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 1 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 2 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 15 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 16 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 29 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 30 مارس 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 12 ابريل 2007

الهوية ثقافة أم عرق؟ اسامة أنور عكاشة 13 ابريل 2007

مع العلم ان هناك خطا في لينكات مقالات 1 & 2 مارس مرجعه الى موقع جريدة الأهرام الاكتروني الا اني نقلتهم كما هم.. ومن يجد اي تصحيح لإرجو ابلاغي بها.

Followers

Featured Posts