في وداع الحياة المدنية


جينيفر لوبيز, آريانا جراندي, تايلور سويفت, جايسون ديرولو الذي اكتشفته مؤخرا .. كل هؤلاء هم أصدقائي الأعزاء الذين سأفتقدهم طوال خمسة أشهر قادمة حيث لن يكون مسموحا لي باصطحاب أي أجهزة إلكترونية أو كتب أدبية/علمية أو حتى أكياس شاي إيرل جراي..

سألتني الظابطة في إختبار شكلي بحت: هل ترغب في أن تكون ضابط احتياط يا إبراهيم؟ أجبت بقطع ; طبعا لأ. لماذا يا إبراهيم؟ لإنني لدي خطة بديلة في الحياة المدنية التي أحبها كثيرا. بالطبع أي من إجاباتي ليس لها وزن. فمجرد وصولي لهذه المحطة من الاختبارات يعني أنني أصبحت ضابط احتياط ولا يبقى إلا تنفيذ الأمر.

ليس مسموحا لك باصطحاب كيس من السكر أو الشاي للداخل, لا هواتف محمولة, لا كتب, لا شئ سوى ملابسك وبعض الاحتياجات الأساسية مثل قصافة أظافر وخيط وإبرة لضبط مقاس الملابس العسكرية التي ستتسلمها. اصطحب معك أربطة ضغط وأدوية مسكنات, سيسمحون لك باصطحاب "الأناللرج" دواء الحساسية خاصتك. بالطبع سوف أصطحب علبة من الليبراكس وأدعو الله أن يمرروها وأدعو الله ثانية أن "الكلورديازبوكسيد" قد يساعدني في الإرتخاء وألا أنهار إذا ما رأي أحد ضباط الصف أن غروره وكبرياءه في موضع خطر لمجرد تواجده مع "دكتور" في مساحة واحدة.

ستقول نعم يا فندم وحاضر يا فندم وتمام يا فندم. لا تحذلق لا نقاش. سوف ترضخ لرغبة بعض الأوغاد في إذلالك لأنك أظهرت شخصيتك المدنية أو تذمرت من معاملة سيئة أو أوامر منهكة. يجب أن تدرك أنها فترة يجب أن تمر بها مثلما مر الآخرون. حاول ألا تتورط في أي شئ قد يجلب لك المتاعب. الجميع مستعدون للوشاية بك أو بغيرك للهرب من أي مسؤولية.

معاييرك لا تنطبق داخل هذه الجدران, حتى ملاءة السرير يجب أن يتم ترتيبها بشكل معين في الصباح رغم أنه لا أحد سيستخدم هذا الفراش غيرك, ورغم أنك أقنعت والدتك أن ترتيب الفراش في الصباح حماقة كبرى لأنه سيتهدل في المساء لا محالة.
حاول ألا تنهار. الكثيرون قبلك إنهاروا وأنا عندما أخبرك بذلك فأنا أخبرك أن الكثيرون أيضا لم ينهاروا.

البعض يتنغنى بالموت والشهادة على مواقع التواصل. حتى أصدقائي ضباط الجيش يحدثون أنفسهم بالشهادة. عن نفسي لدي مشاريع في هذه الحياة أريد أن أنجزها. لا أرتكب حماقة أن أحدث نفسي بشئ لا أطيقه لأجل نفاق مجتمعي. لله الأمر من قبل ومن بعد. لكني لا أتمنى الموت لأعدائي حتى أتمناه لنفسي تحت أي ظرف وأي مسمى.

أنتظر شهر رمضان في صحراء مصر الشرقية. ربما يترفقون بنا ويقللون الأعباء الجسمانية عنا, لكن البقاء مستيقظا طوال نهار رمضان مجهود قاتل بحد ذاته. أفكر بجدية في سؤال أحد المتفقهين في جواز الإفطار في رمضان لو اضطررت لذلك من شدة العطش في الصحراء.

لا أعرف ماهو مصدر التسلية في الخمسة أشهر القادمة لكني بكل الأحوال سأنجو مثلما نجوت من قبل. فقط أستشق على نفسي معرفة أناس جدد وأنا لا أطيق التعارف ولا التملق للأغبياء بحكم التواجد في مكان واحد. ولا أطيق أن أكون جزءا من خطة أحدهم للمرور أو للنجاة في هذه الأرض.

في كل الأحوال. عشمي في الله أن أنتقل بعد فترة التجنيد لمكان مميز في قلب القاهرة حيث يحلو لي أن أكون وأن أظل على اتصال بالمدنيين. وهذا مكسب للقوات المسلحة لو يعلمون.. ولكن لو قدر لنا/لي أن ألقى العدو فإني أرجو الله أن تكون رصاصاتي قاتلة وأن يسلمني من كل شر وغدر حيث أستطيع أن أعود للحياة المدنية حيث يمكنني أن أستمع باسترخاء لجينيفر لوبيز وآريانا جراندي وتايلور سويفت ونيكي ميناج.


------------------------------------------------------------

لو كان لي أن أتكلم بجدية أكثر في مقال واحد عن العسكرية المصرية -التي لم أبليها بعد- لنسخت هذا المقال الرائع عن: "لماذا يخسر العرب الحروب". في هذه الصفحة واكتفيت.

لعبة المحاكاة

بالأمس شاهدت الفيلم الرائع "لعبة المحاكاة" "the Imitation Game" والذي يحكي قصة عالم الرياضيات البريطاني "آلان تورنج".
أنا لست ناقدا سينمائيا ولم آت هنا كي أكتب عن جمال الفيلم والتمثيل والإخراج والإنتاج الهوليودي ولا للتحسر على إنهيا صناعة السينما في مصر.. أنا هنا لكي أتكلم عن قضيتين فقط: السلام والتعليم.
استطاع المخرج أن يضعنا في أجواء الحرب بواسطة مشاهد أرشيفية أو ممثلة من الحرب العالمية الثانية وهذا الخطاب الإذاعي الذي يعلن فيه شخص ما عن رد بريطانيا على ألمانيا بإعلان حالة الحرب. للحظة أحسست سعادتنا نحن المصريين وشبقنا تجاه الحرب وكأنها يوم ممطر ستتسخ فيه ملابسنا ثم نعود لمنازلنا نشرب الشاي بينما بريطانيا التي انتصرت لنفسها خسرت ما يقل قليلا عن 400 ألف مواطن بين عسكري ومدني. لم يخرج أحد منتصرا من الحرب ولن يخرج أحد منتصر من الحرب.. والأكيد أنه "كتب عليكم القتال وهو كرها لكم" هو مجرد قانون عالمي ليس حكرا على المسلمين فقط. بريطانيا لم تكن تملك أن ترفع شعار الباسيفيزم وتنتج مواد فنية تدعو للحب والسلام. إنها الحرب.


لذلك لا أحد عاقل يفرح بالحرب. لا إنسان يجب أن يحب الحرب لكننا يجب أن نكون بارعين في الحرب أن نكون أوغاد ذوي دماء باردة إذا ما حاربنا أعداءنا.
هذا ما فعله آلان تورج عندما أخبره زميله في مختبر بيلتشلي أن أخيه موجود في أحد القوافل التي تستهدفها القوات الألمانية وأنه يمكن أن ينقذه لو أنه أجرى اتصال واحد يخبر فيه القيادة بمحتوى الرسالة التي فكوا شفرتها ..

أن تكون وغدا لأنهم أوغاد هذا ليس شئ سئ على الإطلاق لأن من يدعي المثالية في هذا العالم إما أحمق أو كاذب. على الأقل هذه قناعاتي وهذا ما أحيا لأجله. ألا تبدأ بالعداء وألا تستعجل في رد العدوان إلا إذا تيقنت أنها ضربة واحدة ستذهب بعدوك إلى ساحة المقابر وهو ما فعله آلان تورينج عندما طلب ألا تستخدم الرسائل التي تم فك شفرتها بشكل مباشر في تحاشي ضربات الألمان بل اقترح استخدام نماذج إحصائية لضربات وأهداف الألمان واستخدامها كستار بدلا من استخدام معلومات خام ستؤي بهم في النهاية لإفتضاح أمرهم من قبل الألمان.

في الجانب الآخر من الفيلم يأخذنا المؤلف لطفولة آلان تورنج وبعيدا عن الجانب النفسي والإجتماعي في نشأته دعونا ننظر إلى التعليم الذي تلقاه وأن كتابا أهداه له صديقه في المدرسة سيكون سببا في إنهاء الحرب لصالح الحلفاء. وكيف أن المتعلمين والأفذاذ هما الذان أنقذا بريطانيا وهما الذان سيبنيان بريطانيا بعد الحرب يالطبع..
هذا النظام التعليمي الذي سمح لطفل ما باكتشاف موهبته هو الدرع الأخير لأي بلد. وبالحديث عن مصر فأنا أقسم لكم أن مصصر لا تمتلك هذا الدرع. لأن التعليم مثل الغذاء;  لا يفيدك شيئا أن يكون البعض شبعانا والأغلب جوعانا. لأن الحضارة في النهاية في عصرنا هذا هي إبنة المجتمع ولا تستطيع أن تبني حضارة وتلاميذ مدارسك الإعدادية لا يجيدون القراءة وخريجو الجامعة لا يقرأون مراجع علمية والأهالي في المنازل يشاهدون برامج تليفزيونية تدعي أن سكب الزيت المغلي في دورة المياة أدى لإصابة أربع فتيات بمس من الجن ..

تحية لروح آلان تورنج المعذبة  بقدر ما ألهمني الفيلم الذي يحكي عن سيرته أمس.

حتى لا تكون مثل جيمي فالون

في الحقيقة كثيرة هي المواقف التي نقف أمامها كثيرا ونتأملها من أكثر من ناحية. هذا المقطع المصور من برنامج المذيع الأمريكي جيمي فالون حينما تخبره النجمة الجميلة نيكول كيدمان أنها كانت منجذبة له منذ عدة سنوات وقد كان كلاهما أعزب وأنها كانت تنوي ان تتقرب إليه إليه إذا سمحت لها الظروف وعندما إقتربت منه وجدت منه صدا وجمودا فقررت الإنصراف عنه وفتحت قلبها لمن يأتي بعده.. تخبره ذلك الآن وهو ينفعل من هول ما يسمع. نيكول كيدمان ذات الجمال الخارق الذي يتحدث الناس عن جمالها في كل مكان في كوكب الأرض كانت تريد مواعدتي وأنا من أفسدت اللقاء ..في العادة يقول المصريون من سكان الإسكندرية ومحافظات البحر الأبيض كلمة "أحيه" مصحوبة بتنهيدة ويكرروها عشرات المرات في هذه المواقف. جيمي فالون كان على وشك اختراع هذه الكلمة من العدم من فرط عدم تصديقه لما يسمع.. وهي تمعن في الجدية وتقول بالطبع كلانا متزوج الآن ولا يمكن النظر للماضي والجمهور يضحك أكثر فأكثر. تبا إنها تتكلم بجدية!!


لكن هذا الضحك بعد أن ينتهي يجعلك تتساءل ماذا لو كنت مكان جيمي فالون ؟ وأنت تسمع أن فرصة ما عظيمة ضاعت منك بسبب سوء تفاهم لو أنك علمت أنك كان لك فرصة في الزواج من إمرأة في جمال نيكول كيدمان أو ثرية جدا مثل باريس هيلتون أو العكس لو أن إمرأة متزوجة علمت بالصدفة أن رجلا مرموقا كان يريد الزواج منها لولا أن زوجها الحالي سبق بخطبتها قبله بأيام أو أن رجل مرموق آخر سأل عنها ليتزوجها فأخبره أحدهم بالخطأ أنها مرتبطة وهي ليست كذلك. أو حتى عندما يتعلق الأمر بالعمل والمال ..
في الحقيقة الكلام عن النصيب بالأسلوب المصري يريح القلب كثيرا عند الحديث في هذه المواضيع. أعتقد أنني في السطور القادمة سوف أقول كلاما كثيرا ثم أعود لأتكلم عن الرضا بالنصيب.. لكن ماذا نفعل الآن؟
حتى لا تكون مثل جيمي فالون بعد بضعة سنوات وأنت تحدث نفسك أن نيكول كيدمان كان يمكن أن تكون هي الراقدة بجوارك في الفراش بدلا من هذه المرأة التي هي بجوارك الآن; أعتقد أنك يجب أن تسأل نفسك هل أنت مجبر على ما أنت فيه الآن ؟ هل أنت مجبر على الزواج بأحد ما ؟ أو هل أنت تزوجت أو التحقت بوظيفتك رغما عنك أم أن هذه الزوجة وهذه الوظيفة هي نتاج بحثك وهي جل ما كنت تتمناه في حينها ؟ هل منعك أحد من أن تستكمل بحثك عن وظيفة أحلامك أو فتاة أحلامك وإذا كنت فعلا مجبرا على ما أنت فيه ؟ لماذا استجبت للضغوط المحيطة ؟ وهل كنت حقا تستطع التحرر من الضغوط المحيطة ؟ وهل يمكنك الآن التخلي عن شريكة حياتك الحالية وهل هناك غطاء أخلاقي لما تفعل ؟ وكثير من الأسئلة الأخرى ..
إذا كنت موافق الآن على ما أنت فيه فلا حق لك في التنمر إذا وجدت فرصة أفضل في المستقبل لا تستطيع الحصور عليها بسبب ارتباطك الحالي وإذا لم تكن راض عما أنت فيه الآن فاخلع القيد من يديك وتحرر من كل الضغوط وأهرب فورا حتى لا تندم في المستقبل.
لكن القلب لا يطمئن والدنيا لا تكف عن جلب الندامة لك وكل الأسئلة والسفسطة لن تمنعك عن أن تخبط رأسك في الجدار مثل جيمي فالون وترديد الكلام عن النصيب وحتميته لن تجلب لك السعادة أو تصلح لك شرخ في حياتك الزوجية ظهر لأن لعابك سال مع أول بطاقة تظهر لك من الماضي ونحن جميعا بلهاء كما تعلمون; لذلك أعتقد أن الالتزام ببوصلة أخلاقية من الوفاء والأمانة تتمثل في عدم إتاحة الفرصة للماضي للظهور هي الحل الأمثل.

يجب أن ندرك قيمة من نشاركهم حياتنا ويجب أن ندرك أنه لا أحد يجبرنا على القول بأننا نحبهم وأننا مدينون لهم بما وصلنا إليه في رحلتنا في هذه الحياة وأن السعادة مع شخص ما لا تعني أن هذا الشخص هو أجمل إنسان في العالم بل هي اختيار حر وله تبعاته الأخلاقية.. نعم السعادة اختيار والندامة على الماضي اختيار ويجب تهميشها بدلا من تهميش كل هذه اللحظات السعيدة التي شاركناها مع أحبائنا.

موعد مع الرئيس - نسختي الشخصية

بالأمس حلمت بالرئيس عبد الفتاح السيسي. أنا في العموم شخص يحلم كثيرا أثناء نومه. أحلامي المخملية كثيرة جدا ولا تنقطع إلا قليلا.
لا أعلم من أين تبدأ الأحداث لكنني فوجئت بأحدا يدعو لمؤتمر أو ندوة للرئيس عبد الفتاح السيسي وذهبنا وكانت الندوة فيما يشبه مدرج جامعي متهالك والرجل له هيبة وييجلس على المنصة بجواره أحد الذين يظنون أنهم ملكوا الدنيا بجلوسهم إلى جوار الرئيس.
بالطبع تحدث الرئيس بكلام كثير. وبالطبع لا أذكر من كلامه شيئا على الإطلاق لكن الرجل تكلم والناس أنصتت وناقش البعض الرئيس بكل أدب في بعض كلامه أعتقد أنهم كانوا يقولون كلاما لا يختلف عما يقوله الغوغاء في التلفزيون عن الاصطفاف والتأييد أو المطالب الخدمية ..
بعد مرور بعض الوقت علمنا أن هناك شغبا ما بخارج القاعة وأنه يلزم لأسباب أمنية أن نستكمل جلستنا في مكان أخر. تم تدبير المكان الآخر وكان قاعة ندوات كبيرة في قسم شرطة متوسط الحجم والمساحة. كانت تحت سطح الأرض بطابق.
تأخرت باللحاق بالحضور عند انتقالهم للمكان الجديد. ولذلك دخلت وحدي متأخرا. قد أذكر أنه كان معي شخص ما من أصدقائي يرافقني.
دخلنا من فتحة شباك متهالكة ومنخفضة وقريبة من الأرض ومشينا في طرقات يغلب عليها دهان الحوائط باللون الأزرق الباهت ويتواجد بها بعض العساكر المرهقين. ولم يسألنا أحد أين نحن ذاهبون.
حتى إذا وصلنا إلى باب كبير مقارنة ببقية الأبواب في المبنى علمنا أننا أمام قاعة الندوة. وأمامنا رجل أمن من رتبة أكبر يسألنا إلى أين أنتم ذاهبون. وأخبرناه أننا ذاهبون للقاء الرئيس السيسي. وهم أن يسألنا بعض الأسئلة الأمنية ليستوثق منا فأشار له صاحبه أنهما ما كانا ليصلا هذا المكان إلا لو كانا حسنا النية ومهتمان فعلا بلقاء الرئيس.
المهم دخلنا ووجدنا الحضور مستمر في تبادل الكلام مع الرئيس. بنفس الأسلوب السابق ذكره. وما إن استقر بنا المقام حتى جاء الدور على أحدهم ليسأل الرئيس.
الإسم: أشرف عمار (هذا الإسم متوافق مع الجو النفسي للحلم).
المهنة: شاعر.(يبدو من كلامه وهيئته أنه شاعر عامية ركيك جدا)
المهم أن أشرف هذا ظل يقول كلاما غير مترابطا مجمله ومحتواه مهاجمة الرئيس وسياساته واتهامه بأنه لا يغير شئ مما أفسده السابقون.
أشرف هذا كان أسمر البشرة.
التف حوله بعض رجال الأمن في زي مدني وسادت حالة من الهرج والمرج المحدودين في القاعة لمدة قصيرة جدا من الزمن اختفى بعدها أشرف وعاد الهدوء للقاعة وعاد الحديث لطبيعته.
بعدها بقليل عاد أشرف إلى القاعة ويمسكه من كل من كتفيه رجلي أمن في زي مدني ووجه أشرف تحول إلى وجه رجل أمهق من شدة الشحوب ويبدو عليه الرعب وأن دمه مسحوب من وجهه كما اعتدنا وصف المرعوبين في حياتنا اليومية.
ثوان بسيطة وعاد لون وجه أشرف لطبيعته. اقترب به رجال الأمن من منصة الرئيس الذي طالت يده بشكل فانتازي وسفخت أشرف قلمين على وجهه وشتمه شتيمتين يخلوان من سب الأب والأم أو أعضائهما التناسلية على الأقل.

انتهت الندوة وجاء دور الرئيس ليتلقى الكلمات والرسائل الشخصية الشفوية من الناس على حدة. 
انتظرنا دورنا بين الحشود حتى نلتقي الرئيس وجها لوجه ورجلا لرجل ونوجه له رسائلنا ومطالبنا .وبالطبع الناس لا يكفون عن كلام التأييد والاصطفاف والدعاء للرئيس. حتى صديقي عضو حزب الوسط ابتسم ابتسامة حارة للرئيس وشد من أزره ودعا له  وربما كان يناديه بلقب "فخامة الرئيس" أثناء الحوار.
أما أنا فكنت مزكوما جدا. لا أستطيع أن ألتقط نفسي من شدة الزكام. أنفي مكتوما بشدة وكأنه اختفى من الأساس. لا أذكر إلا أنني طالبت الرئيس بكل أدب بالديمقراطية حقوق الإنسان والرجل استمع لكلامي كما استمع لكلام غيري.
الرجل أصبح متعودا على تلقي الكلام في هيئة رسائل شفوية يسقط محتواها الغاضب بمجرد أن تنظر في عينيه. فلا يبقى سوى دعاؤك له بالتوفيق وبعض كلام المجاملات.
وبالفعل هذا ما حدث معي في النهاية وما انتهى به الحلم.

هذا الشعب البائس

في الحقيقة الحكومات كلها لعينة وملعونة.  وأنا لا أجد أي تجربة سياسية في مصر تحترم الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان بشكل كامل وبرئ.
لا بد أن أقول هذا حتى لا يبدو كلامي أنه تبرئة لساحة النظام الحالي أو أي نظام مر على مصر مما يحدث وحد من تخريب وتدمير لهذا البلد ولموارده المحدودة..
في تدوينة سابقة تكلمت عن الحال في مصر وكيف أن حكوماتنا فشلة وتحمي اللصوص وهكذا تعودنا عليها .
لكن وباختصار شديد الشعب المصري هو الآخر لا يتوانى عن إثبات أن حكامه قد خرجوا من صلبه وأنهم يمثلون الانحطاط الذي وصل إليه الشعل أخلاقيا واجتماعيا.
فهذا الشعب الذي لا يتردد في البناء على الأراضي الزراعية وتدمير ثروة مصر الزراعية هو نفسه الذي يحمل الحكومة مسؤولية تطوير الزراعة وتوفير المواد الغذائية.
الطرق الزراعية في مصر الآن مليئة على جوانبها بالبنايات المخالفة ولا تجد أحد يمكن أن يتعظ إذا حدثته عن خطورة هذا الفعل إذا استررنا في فعلا على مدار سنوات ..

منذ فترة قررت وزارة التموين تقرير حصة من الخبز البلدي المدعم لكل المواطنين وأعلنت عن برنامج تحفيزي لحث المواطن على ترشيد استهلاك الخبز. لكن الموطنين المصريين يقومون بما لا يخطر على بال بشر. يجمعون بطاقاتهم كلها ويسلمونها لمندوب منهم يصرف لهم حصتهم كاملة يوميا من الخبز. وهو ما يؤدي إلى تراكمه في بيوتهم. فيقومون بتجفيفه وتقديمه للطيور التي يربونها على أسطح منازلهم.

المواطن المصري يقدم خبز مصنوع من القمح للطيور والمواشي بديلا للعلف ومواطن مصري آخر لا يجد هذا الرغيف من الأساس.

في مدينتي القبيحة التي لا تحتمل قبحا فوق قبحها الشوارع مزدحمة والناس سفلة في أخلاقهم والهواء ملوث وكل شئ يدعو إلى الموت البطئ ويأتي أحدهم ببضاعة -أحذية رجالي- ويبدأ في رصها أمام الرصيف ويحتل مسافة مترين في نهر الطريق. ما هي الطريقة التي يفكر بها هذا الرجل ليصل إلى هذه الفكرة؟ ومن أين أتى بكل هذا الحماس واستجمع كل تلك الشجاعة للمخاطرة برأس ماله المحدود بوضعه في الشارع عرضة لرجال البلدية في أي لحظة.
في الحقيقة لن يسأل أحد هذا الرجل عما فعل وسيترك وسينضم إليه المزيد من الباعة على الأرصفة وسنقطع هذا الشارع القصير الحقير في ساعتين في المستقبل القريب.

هكذا دوما تبدأ الكثير من المشاكل في مصر. من جهل الشعب واستهتاره واستنزافه لموارد هذا البلد بدون أدنى وعي بأي شئ..
وبهذا كله ولأنني أدرك أنه لابد من لحظة سنحتاج فيها لاستذكار أفكارنا عن الإصلاح ربما قد لا نكون أحياء في حينها فإنني أدون هذا الكلام المكرر والممل عن إن إصلا هذا البلد لن يتم بدون تعليم هذا الشعب معنى الآدمية والمسؤولية وتلقينه دروس حقيقية عن الأخلاق وهذا لن يتم بدون إرادة سياسية حقيقية وارتقاء بمستوى الإعلام والتعليم على مستوى الوسائل وعلى مستوى الأهداف.
استطيع أن أقول أن كل حكام مصر لهم مصلحة في الابقاء على جهل هذا الشعب اعتقادا منهم بأن المواد الطبيعية لا تنفذ واعتمادا على ما تقدمه الحضارة الغربية من منتج ثقافي وعلمي ودعم مادي لنا كدول صديقة. لكن النار بدأت تأكل في الهشيم وأساساتنا تهدمت ونحن مثل الرماد في انتظار قطرات المطر.
لا أظن أننا بعيدون عن إعادة العصور الاستعمارية من جديد مادمنا بلا إرادة ولا وجود وعبئا على العالم وندمر مواردنا بأنفسنا وأيدينا. حينها أعتقد -وأظن أنني محايد- أن من لا يفكر في غزو هذه البلاد ليس سوى أحمق.

الترييض أو الترقيم



Mathematization كلمة انجليزية تعني اخضاع شئ ما للرياضيات والأرقام ووصفه بصفات حسابية. مثال ذلك هو الانتخابات والديمقراطية الصندوقية. فمثلا -وأرجوك عزيزي القارئ جاريني فيما أقول مهما اختلفنا- أنا أرى أن السيد حمدين صباحي أكثر كفاءة من السيد عبد الفتاح السيسي ويستحق الوصول لكرسي الرئاسة على هذا الأساس. لكن الكفاءة والتي قد يختلف عليها البعض صفة مراوغة وغير محسوسة. لا يمكن الاتفاق عليها. ما الحل. نعقد انتخابات بين المرشحين. ونجمع أصوات الناس في الصندوق ونحصيها ونفرزها في نهاية اليوم. نحن هنا نحتكم إلى الأرقام. نحن نريد أي مقارنة بين الشخصين تعتمد على الأرقام. قد يبدوفي الشأن السياسي عدد الناخبين في ظروف قياسية هو المعيار الأكثر أمانة.

إذن فمن يبدو لك أنه أفضل شخص يحكم البلاد حصل على 2% من أصوات الناخبين الصحيحة. هل هذا يعني أنه شخص سئ ؟ لا, أبدا.
وهل يعني أن من حصل على 97% من أصوات الناخبين شخص جيد ؟ طبعا لا. لا شئ يقيني عندما تستخدم الرياضيات في العلوم الانسانية والسياسية.


أنا لا أتكلم عن السياسة في هذا المقال على الإطلاق. أنا استخدم السياسة كنموذج حاضر ونشط يمكن استخدامه في توضيح الأمور.

فمثلا في الفقه الإسلامي قد تجد أغلب جمهور العلماء اتفق على حل واحد لمسألة ما. وقلة قليلة لم تتفق. هل هذا يعني أن الأغلبية على صواب والأقلية على خطأ؟ إطلاقا. بل أقول ما قاله الرسول ص :استفت قلبك. فالأمور المعنوية لا يتم الحكم عليها بالعدد والأقلية والأكثرية.
ولذلك قال الإمام علي رض الله عنه: لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه. العدد ليس معيار على شئ ما عندما نتحدث عن النفس الإنسانية وسلوكها..


ولذلك عموما.عندما يقول الله عز وجل :" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " أعتقد أن التساؤل عن أشياء معنوية بشكل حسابي يدخل في تفسير هذه الأية.

أنا هنا لا أقول أن الديمقراطية خطأ أو حرام. ولا أقول أن اعتماد نتيجة الثانوية العامة كمعيار لتنسيق دخول الطلاب للكيات الجامعية شئ خاطئ تماما. أنا فقط أقول أننا كبشر يجب أن نعمل بجد للحد من التأثيرات السلبية لاستخدام الرياضيات في تسيير أمورنا اليومية. وهذا يعني وجود كود أخلاقي صارم نحترمه بيننا وبين أنفسنا. الصدق والأمانة والشفافية تضمن لنا أن نتناول الإحصاءات بشكل مرن وأن نتناقش حولها بحرية أكثر وأن نستخدمها بأقصى فائدة وأن نهملها لأسباب منطقية ووجيهة.

أعتقد أنني في النهاية أدعونا جميعا للعمل في صمت والتأمل والالتزام بمعايير أخلاقية شديدة الصرامة في تعاملنا مع الآخرين حتى لا نتحول إلى مجموعة من الوحوش في غابة بلا حاكم.

الحال في مصر

في الحقيقة الكلام عن النهضة والحضارة في مصر كلام ذو شجون. مثلا ماهو المصير المتوقع لطالب نابغ في المرحلة الاعدادية او الثانوية. سيتم انهاكه في المذاكرة وسيلتحق بكلية الطب البشري وسيتخرج مثل اي طبيب محبط فقير يكافح من من اجل زيادة طفيفة في مرتبه من وزارة مالية ووزارة صحة فاشلتين.
اتسائل ما الذي يمكن ان يصل اليه اي شخص حاصل على مؤهل فني او شهادة عليا في الهندسة ولديه مجموعة افكار جديدة عن مجال صناعته. سوى ان يكون موظف مطحون في احدى الشركات واقصى مايمكن ان يصل اليه هو ان يكون ذو سمعة مهنية حسنة بين زملائه.
مصر هي بلد الفرص المعدومة. حيث لايمكن فيها بأي طريقة شرعية الارتقاء فيها من الصفر الى قمة الهرم الاجتماعي.
الطبيب في مصر هو مجرد فني وفي كل العالم كذلك هو مجرد technician باختلاف درجات التقدير المادي والأدبي في المجتمعات.
ورغم ذلك يتنافس كل اولياء الامور من اجل الحاق ابنائهم بهذه الكلية البائسة فقط لمجرد انهم سيجدون فرصة عمل مضمونة بمرتب هزيل في القطاع العام وفرص عمل جيدة في القطاع الخاص تعتمد على قدرة الخريج على التماهي مع رغبات اصحاب الاعمال.
هل تريد لإبنك أن يكون معذبا هكذا ؟ وهل هناك طريق مضمون وشرعي لأكل لقمة العيش في مصر سوى هذا ؟ الإجابة في الحالتين لا.
أتكلم عن الطب تحديدا لأنها مهنتي.
لكن عموما هل مصر تقدر أي إنسان مبتكر وصاحب فكرة ؟
هل يمكن لأي شخص صاحب فكرة أو منتج سلعي أو خدمي أن يجد طريقه إلى سلم المجد ؟
الإجابة لا.
مصر دولة غارقة في الفساد وانتهاك الحقوق من جانب الدولة ومن جانب الحيتان الكبار في السوق الذين يخشون من أي منافسة مع أي شخص أو كيان مهما بلغ صغره.
مصر دولة لا تهتم باكتشاف المواهب الضغير في المدارس والتي يمكن أن تبني مستقبل مبهر وإسم مشرف لهذه البلاد. ولهذا فإن 100% ممن نفاخر بهم في مجالات العلوم استكملوا حياتهم العلمية والعملية خارج مصر.
بل إن مصر لا تتوانى عن القبض على مخترع عبقري مثل الطفل عبد الله عاصم لمجرد انه تم القاء القبض عليه يسير بجوارمظاهرة للإخوان واصدرت قراربمنعه عن السفر للمشاركة في مسابقة علمية عالمية كان سيرفع فيها إسم مصر عاليا بأكثر مما يستطيع أي نطع ممن يتحكمون بنا ومستقبلنا.
أذكر أنني لما كنت في المرحلة الاعدادية كنت اطمح الى دخول كلية العلوم. وفي الثانوية العامة كنت مغرما بالفيزياء والكيمياء وقرأت فيهما بعض المعارف من خارج المناهج وأحسب نفسي وأنا أنظر عشر سنوات إلى الوراء أنني كنت عبقريا ذا مستقبل باهر في الفيزياء النظرية.
لكن قدر الله أن أدخل كلية الطب وأسعى إلى زيادة في مرتبي الشهري تقدر ب 120 دولار يستطيع أي طبيب في العالم أن يجنيهم في ساعة.
لكني أتساءل.. وماذا لو كنت دخلت كلية العلوم بكل هذا الشغف بالعلم. كنت سأواجه مناهج متخلفة وأساليب تقييم رجعية ووساطات وتحيزات لأجل أبناء أعضاء هيئات التدريس وفشل محدق ينتهي بي خريج عاطل يبحث عن لقمة عيش في أي مجال.

نعم مصر دولة عقيمة أدمنت التكرار والنسخ بحيث إذا افتتح أحدهم محل "فول طعمية" في أول شارع سارع أحدهم بافتتاح مطعم مماثل في نهاية نفس الشارع.

منذ فترة اشتريت جهاز الكتروني يعمل بنظام اندرويد وسألت نفسي هل هناك أجهزة أمريكية تعمل بنظام أندرويد -بغض النظر عن أن نظام الأندرويد نفسه تم تطويره بواسطة شركة جوجل الأمريكية- وكانت الإجابة بحسب علمي لا. وهذا في ظني لأن الأمريكان غير معنيين بالتكرار أو الاستثمار في الأنشطة الآمنة. هم -أمة متقدمة- معنيين باكتشاف الجديد وفتح مجالات جديدة وخلق أسواق جديدة لم تكن موجودة من قبل. وهذا يعتمد على قدرة الأمة على الخلق والاختراع والابتكار والابداع.
وفي هذا أمثلة كثيرة. فشركة ميكروسوفت العملاقة وصاحبها أغنى رجل بالعالم كان مجرد طفل نابغ في استخدام الحاسب في سبعينيات القرن الماضي. وكان ينتمي لأسرة عادية جدا. لكن الدولة التي احترمت أفكاره ومنحتها الحماية من السرقة ومن مناطحة رجال الأعمال الفاسدين والمحتكرين تجني اليوم من ورائه ضرائب سنوية بالمليارات.
هذه هي المقومات الاقتصادية لأمريكا في نظري. ويرعاها في ذلك مظلة متينة من احترام قوانين الملكلية الفكرية والشفافية ومكافحة الفساد والاحتكار.
وهذا كله غير موجود في مصر. ولذلك لن تتقدم مصر. وإذا أردت دليل على ذلك اسأل نفسك هل يمكن أن يخرج من حي امبابة أو شبرا بيل جيتس أو مارك زوكربرج مصري دون أن يخرج خارج مصر ؟ الإجابة أيضا لا.

Followers

Featured Posts