موعد مع الرئيس - نسختي الشخصية

بالأمس حلمت بالرئيس عبد الفتاح السيسي. أنا في العموم شخص يحلم كثيرا أثناء نومه. أحلامي المخملية كثيرة جدا ولا تنقطع إلا قليلا.
لا أعلم من أين تبدأ الأحداث لكنني فوجئت بأحدا يدعو لمؤتمر أو ندوة للرئيس عبد الفتاح السيسي وذهبنا وكانت الندوة فيما يشبه مدرج جامعي متهالك والرجل له هيبة وييجلس على المنصة بجواره أحد الذين يظنون أنهم ملكوا الدنيا بجلوسهم إلى جوار الرئيس.
بالطبع تحدث الرئيس بكلام كثير. وبالطبع لا أذكر من كلامه شيئا على الإطلاق لكن الرجل تكلم والناس أنصتت وناقش البعض الرئيس بكل أدب في بعض كلامه أعتقد أنهم كانوا يقولون كلاما لا يختلف عما يقوله الغوغاء في التلفزيون عن الاصطفاف والتأييد أو المطالب الخدمية ..
بعد مرور بعض الوقت علمنا أن هناك شغبا ما بخارج القاعة وأنه يلزم لأسباب أمنية أن نستكمل جلستنا في مكان أخر. تم تدبير المكان الآخر وكان قاعة ندوات كبيرة في قسم شرطة متوسط الحجم والمساحة. كانت تحت سطح الأرض بطابق.
تأخرت باللحاق بالحضور عند انتقالهم للمكان الجديد. ولذلك دخلت وحدي متأخرا. قد أذكر أنه كان معي شخص ما من أصدقائي يرافقني.
دخلنا من فتحة شباك متهالكة ومنخفضة وقريبة من الأرض ومشينا في طرقات يغلب عليها دهان الحوائط باللون الأزرق الباهت ويتواجد بها بعض العساكر المرهقين. ولم يسألنا أحد أين نحن ذاهبون.
حتى إذا وصلنا إلى باب كبير مقارنة ببقية الأبواب في المبنى علمنا أننا أمام قاعة الندوة. وأمامنا رجل أمن من رتبة أكبر يسألنا إلى أين أنتم ذاهبون. وأخبرناه أننا ذاهبون للقاء الرئيس السيسي. وهم أن يسألنا بعض الأسئلة الأمنية ليستوثق منا فأشار له صاحبه أنهما ما كانا ليصلا هذا المكان إلا لو كانا حسنا النية ومهتمان فعلا بلقاء الرئيس.
المهم دخلنا ووجدنا الحضور مستمر في تبادل الكلام مع الرئيس. بنفس الأسلوب السابق ذكره. وما إن استقر بنا المقام حتى جاء الدور على أحدهم ليسأل الرئيس.
الإسم: أشرف عمار (هذا الإسم متوافق مع الجو النفسي للحلم).
المهنة: شاعر.(يبدو من كلامه وهيئته أنه شاعر عامية ركيك جدا)
المهم أن أشرف هذا ظل يقول كلاما غير مترابطا مجمله ومحتواه مهاجمة الرئيس وسياساته واتهامه بأنه لا يغير شئ مما أفسده السابقون.
أشرف هذا كان أسمر البشرة.
التف حوله بعض رجال الأمن في زي مدني وسادت حالة من الهرج والمرج المحدودين في القاعة لمدة قصيرة جدا من الزمن اختفى بعدها أشرف وعاد الهدوء للقاعة وعاد الحديث لطبيعته.
بعدها بقليل عاد أشرف إلى القاعة ويمسكه من كل من كتفيه رجلي أمن في زي مدني ووجه أشرف تحول إلى وجه رجل أمهق من شدة الشحوب ويبدو عليه الرعب وأن دمه مسحوب من وجهه كما اعتدنا وصف المرعوبين في حياتنا اليومية.
ثوان بسيطة وعاد لون وجه أشرف لطبيعته. اقترب به رجال الأمن من منصة الرئيس الذي طالت يده بشكل فانتازي وسفخت أشرف قلمين على وجهه وشتمه شتيمتين يخلوان من سب الأب والأم أو أعضائهما التناسلية على الأقل.

انتهت الندوة وجاء دور الرئيس ليتلقى الكلمات والرسائل الشخصية الشفوية من الناس على حدة. 
انتظرنا دورنا بين الحشود حتى نلتقي الرئيس وجها لوجه ورجلا لرجل ونوجه له رسائلنا ومطالبنا .وبالطبع الناس لا يكفون عن كلام التأييد والاصطفاف والدعاء للرئيس. حتى صديقي عضو حزب الوسط ابتسم ابتسامة حارة للرئيس وشد من أزره ودعا له  وربما كان يناديه بلقب "فخامة الرئيس" أثناء الحوار.
أما أنا فكنت مزكوما جدا. لا أستطيع أن ألتقط نفسي من شدة الزكام. أنفي مكتوما بشدة وكأنه اختفى من الأساس. لا أذكر إلا أنني طالبت الرئيس بكل أدب بالديمقراطية حقوق الإنسان والرجل استمع لكلامي كما استمع لكلام غيري.
الرجل أصبح متعودا على تلقي الكلام في هيئة رسائل شفوية يسقط محتواها الغاضب بمجرد أن تنظر في عينيه. فلا يبقى سوى دعاؤك له بالتوفيق وبعض كلام المجاملات.
وبالفعل هذا ما حدث معي في النهاية وما انتهى به الحلم.

هذا الشعب البائس

في الحقيقة الحكومات كلها لعينة وملعونة.  وأنا لا أجد أي تجربة سياسية في مصر تحترم الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان بشكل كامل وبرئ.
لا بد أن أقول هذا حتى لا يبدو كلامي أنه تبرئة لساحة النظام الحالي أو أي نظام مر على مصر مما يحدث وحد من تخريب وتدمير لهذا البلد ولموارده المحدودة..
في تدوينة سابقة تكلمت عن الحال في مصر وكيف أن حكوماتنا فشلة وتحمي اللصوص وهكذا تعودنا عليها .
لكن وباختصار شديد الشعب المصري هو الآخر لا يتوانى عن إثبات أن حكامه قد خرجوا من صلبه وأنهم يمثلون الانحطاط الذي وصل إليه الشعل أخلاقيا واجتماعيا.
فهذا الشعب الذي لا يتردد في البناء على الأراضي الزراعية وتدمير ثروة مصر الزراعية هو نفسه الذي يحمل الحكومة مسؤولية تطوير الزراعة وتوفير المواد الغذائية.
الطرق الزراعية في مصر الآن مليئة على جوانبها بالبنايات المخالفة ولا تجد أحد يمكن أن يتعظ إذا حدثته عن خطورة هذا الفعل إذا استررنا في فعلا على مدار سنوات ..

منذ فترة قررت وزارة التموين تقرير حصة من الخبز البلدي المدعم لكل المواطنين وأعلنت عن برنامج تحفيزي لحث المواطن على ترشيد استهلاك الخبز. لكن الموطنين المصريين يقومون بما لا يخطر على بال بشر. يجمعون بطاقاتهم كلها ويسلمونها لمندوب منهم يصرف لهم حصتهم كاملة يوميا من الخبز. وهو ما يؤدي إلى تراكمه في بيوتهم. فيقومون بتجفيفه وتقديمه للطيور التي يربونها على أسطح منازلهم.

المواطن المصري يقدم خبز مصنوع من القمح للطيور والمواشي بديلا للعلف ومواطن مصري آخر لا يجد هذا الرغيف من الأساس.

في مدينتي القبيحة التي لا تحتمل قبحا فوق قبحها الشوارع مزدحمة والناس سفلة في أخلاقهم والهواء ملوث وكل شئ يدعو إلى الموت البطئ ويأتي أحدهم ببضاعة -أحذية رجالي- ويبدأ في رصها أمام الرصيف ويحتل مسافة مترين في نهر الطريق. ما هي الطريقة التي يفكر بها هذا الرجل ليصل إلى هذه الفكرة؟ ومن أين أتى بكل هذا الحماس واستجمع كل تلك الشجاعة للمخاطرة برأس ماله المحدود بوضعه في الشارع عرضة لرجال البلدية في أي لحظة.
في الحقيقة لن يسأل أحد هذا الرجل عما فعل وسيترك وسينضم إليه المزيد من الباعة على الأرصفة وسنقطع هذا الشارع القصير الحقير في ساعتين في المستقبل القريب.

هكذا دوما تبدأ الكثير من المشاكل في مصر. من جهل الشعب واستهتاره واستنزافه لموارد هذا البلد بدون أدنى وعي بأي شئ..
وبهذا كله ولأنني أدرك أنه لابد من لحظة سنحتاج فيها لاستذكار أفكارنا عن الإصلاح ربما قد لا نكون أحياء في حينها فإنني أدون هذا الكلام المكرر والممل عن إن إصلا هذا البلد لن يتم بدون تعليم هذا الشعب معنى الآدمية والمسؤولية وتلقينه دروس حقيقية عن الأخلاق وهذا لن يتم بدون إرادة سياسية حقيقية وارتقاء بمستوى الإعلام والتعليم على مستوى الوسائل وعلى مستوى الأهداف.
استطيع أن أقول أن كل حكام مصر لهم مصلحة في الابقاء على جهل هذا الشعب اعتقادا منهم بأن المواد الطبيعية لا تنفذ واعتمادا على ما تقدمه الحضارة الغربية من منتج ثقافي وعلمي ودعم مادي لنا كدول صديقة. لكن النار بدأت تأكل في الهشيم وأساساتنا تهدمت ونحن مثل الرماد في انتظار قطرات المطر.
لا أظن أننا بعيدون عن إعادة العصور الاستعمارية من جديد مادمنا بلا إرادة ولا وجود وعبئا على العالم وندمر مواردنا بأنفسنا وأيدينا. حينها أعتقد -وأظن أنني محايد- أن من لا يفكر في غزو هذه البلاد ليس سوى أحمق.

الترييض أو الترقيم



Mathematization كلمة انجليزية تعني اخضاع شئ ما للرياضيات والأرقام ووصفه بصفات حسابية. مثال ذلك هو الانتخابات والديمقراطية الصندوقية. فمثلا -وأرجوك عزيزي القارئ جاريني فيما أقول مهما اختلفنا- أنا أرى أن السيد حمدين صباحي أكثر كفاءة من السيد عبد الفتاح السيسي ويستحق الوصول لكرسي الرئاسة على هذا الأساس. لكن الكفاءة والتي قد يختلف عليها البعض صفة مراوغة وغير محسوسة. لا يمكن الاتفاق عليها. ما الحل. نعقد انتخابات بين المرشحين. ونجمع أصوات الناس في الصندوق ونحصيها ونفرزها في نهاية اليوم. نحن هنا نحتكم إلى الأرقام. نحن نريد أي مقارنة بين الشخصين تعتمد على الأرقام. قد يبدوفي الشأن السياسي عدد الناخبين في ظروف قياسية هو المعيار الأكثر أمانة.

إذن فمن يبدو لك أنه أفضل شخص يحكم البلاد حصل على 2% من أصوات الناخبين الصحيحة. هل هذا يعني أنه شخص سئ ؟ لا, أبدا.
وهل يعني أن من حصل على 97% من أصوات الناخبين شخص جيد ؟ طبعا لا. لا شئ يقيني عندما تستخدم الرياضيات في العلوم الانسانية والسياسية.


أنا لا أتكلم عن السياسة في هذا المقال على الإطلاق. أنا استخدم السياسة كنموذج حاضر ونشط يمكن استخدامه في توضيح الأمور.

فمثلا في الفقه الإسلامي قد تجد أغلب جمهور العلماء اتفق على حل واحد لمسألة ما. وقلة قليلة لم تتفق. هل هذا يعني أن الأغلبية على صواب والأقلية على خطأ؟ إطلاقا. بل أقول ما قاله الرسول ص :استفت قلبك. فالأمور المعنوية لا يتم الحكم عليها بالعدد والأقلية والأكثرية.
ولذلك قال الإمام علي رض الله عنه: لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه. العدد ليس معيار على شئ ما عندما نتحدث عن النفس الإنسانية وسلوكها..


ولذلك عموما.عندما يقول الله عز وجل :" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " أعتقد أن التساؤل عن أشياء معنوية بشكل حسابي يدخل في تفسير هذه الأية.

أنا هنا لا أقول أن الديمقراطية خطأ أو حرام. ولا أقول أن اعتماد نتيجة الثانوية العامة كمعيار لتنسيق دخول الطلاب للكيات الجامعية شئ خاطئ تماما. أنا فقط أقول أننا كبشر يجب أن نعمل بجد للحد من التأثيرات السلبية لاستخدام الرياضيات في تسيير أمورنا اليومية. وهذا يعني وجود كود أخلاقي صارم نحترمه بيننا وبين أنفسنا. الصدق والأمانة والشفافية تضمن لنا أن نتناول الإحصاءات بشكل مرن وأن نتناقش حولها بحرية أكثر وأن نستخدمها بأقصى فائدة وأن نهملها لأسباب منطقية ووجيهة.

أعتقد أنني في النهاية أدعونا جميعا للعمل في صمت والتأمل والالتزام بمعايير أخلاقية شديدة الصرامة في تعاملنا مع الآخرين حتى لا نتحول إلى مجموعة من الوحوش في غابة بلا حاكم.

الحال في مصر

في الحقيقة الكلام عن النهضة والحضارة في مصر كلام ذو شجون. مثلا ماهو المصير المتوقع لطالب نابغ في المرحلة الاعدادية او الثانوية. سيتم انهاكه في المذاكرة وسيلتحق بكلية الطب البشري وسيتخرج مثل اي طبيب محبط فقير يكافح من من اجل زيادة طفيفة في مرتبه من وزارة مالية ووزارة صحة فاشلتين.
اتسائل ما الذي يمكن ان يصل اليه اي شخص حاصل على مؤهل فني او شهادة عليا في الهندسة ولديه مجموعة افكار جديدة عن مجال صناعته. سوى ان يكون موظف مطحون في احدى الشركات واقصى مايمكن ان يصل اليه هو ان يكون ذو سمعة مهنية حسنة بين زملائه.
مصر هي بلد الفرص المعدومة. حيث لايمكن فيها بأي طريقة شرعية الارتقاء فيها من الصفر الى قمة الهرم الاجتماعي.
الطبيب في مصر هو مجرد فني وفي كل العالم كذلك هو مجرد technician باختلاف درجات التقدير المادي والأدبي في المجتمعات.
ورغم ذلك يتنافس كل اولياء الامور من اجل الحاق ابنائهم بهذه الكلية البائسة فقط لمجرد انهم سيجدون فرصة عمل مضمونة بمرتب هزيل في القطاع العام وفرص عمل جيدة في القطاع الخاص تعتمد على قدرة الخريج على التماهي مع رغبات اصحاب الاعمال.
هل تريد لإبنك أن يكون معذبا هكذا ؟ وهل هناك طريق مضمون وشرعي لأكل لقمة العيش في مصر سوى هذا ؟ الإجابة في الحالتين لا.
أتكلم عن الطب تحديدا لأنها مهنتي.
لكن عموما هل مصر تقدر أي إنسان مبتكر وصاحب فكرة ؟
هل يمكن لأي شخص صاحب فكرة أو منتج سلعي أو خدمي أن يجد طريقه إلى سلم المجد ؟
الإجابة لا.
مصر دولة غارقة في الفساد وانتهاك الحقوق من جانب الدولة ومن جانب الحيتان الكبار في السوق الذين يخشون من أي منافسة مع أي شخص أو كيان مهما بلغ صغره.
مصر دولة لا تهتم باكتشاف المواهب الضغير في المدارس والتي يمكن أن تبني مستقبل مبهر وإسم مشرف لهذه البلاد. ولهذا فإن 100% ممن نفاخر بهم في مجالات العلوم استكملوا حياتهم العلمية والعملية خارج مصر.
بل إن مصر لا تتوانى عن القبض على مخترع عبقري مثل الطفل عبد الله عاصم لمجرد انه تم القاء القبض عليه يسير بجوارمظاهرة للإخوان واصدرت قراربمنعه عن السفر للمشاركة في مسابقة علمية عالمية كان سيرفع فيها إسم مصر عاليا بأكثر مما يستطيع أي نطع ممن يتحكمون بنا ومستقبلنا.
أذكر أنني لما كنت في المرحلة الاعدادية كنت اطمح الى دخول كلية العلوم. وفي الثانوية العامة كنت مغرما بالفيزياء والكيمياء وقرأت فيهما بعض المعارف من خارج المناهج وأحسب نفسي وأنا أنظر عشر سنوات إلى الوراء أنني كنت عبقريا ذا مستقبل باهر في الفيزياء النظرية.
لكن قدر الله أن أدخل كلية الطب وأسعى إلى زيادة في مرتبي الشهري تقدر ب 120 دولار يستطيع أي طبيب في العالم أن يجنيهم في ساعة.
لكني أتساءل.. وماذا لو كنت دخلت كلية العلوم بكل هذا الشغف بالعلم. كنت سأواجه مناهج متخلفة وأساليب تقييم رجعية ووساطات وتحيزات لأجل أبناء أعضاء هيئات التدريس وفشل محدق ينتهي بي خريج عاطل يبحث عن لقمة عيش في أي مجال.

نعم مصر دولة عقيمة أدمنت التكرار والنسخ بحيث إذا افتتح أحدهم محل "فول طعمية" في أول شارع سارع أحدهم بافتتاح مطعم مماثل في نهاية نفس الشارع.

منذ فترة اشتريت جهاز الكتروني يعمل بنظام اندرويد وسألت نفسي هل هناك أجهزة أمريكية تعمل بنظام أندرويد -بغض النظر عن أن نظام الأندرويد نفسه تم تطويره بواسطة شركة جوجل الأمريكية- وكانت الإجابة بحسب علمي لا. وهذا في ظني لأن الأمريكان غير معنيين بالتكرار أو الاستثمار في الأنشطة الآمنة. هم -أمة متقدمة- معنيين باكتشاف الجديد وفتح مجالات جديدة وخلق أسواق جديدة لم تكن موجودة من قبل. وهذا يعتمد على قدرة الأمة على الخلق والاختراع والابتكار والابداع.
وفي هذا أمثلة كثيرة. فشركة ميكروسوفت العملاقة وصاحبها أغنى رجل بالعالم كان مجرد طفل نابغ في استخدام الحاسب في سبعينيات القرن الماضي. وكان ينتمي لأسرة عادية جدا. لكن الدولة التي احترمت أفكاره ومنحتها الحماية من السرقة ومن مناطحة رجال الأعمال الفاسدين والمحتكرين تجني اليوم من ورائه ضرائب سنوية بالمليارات.
هذه هي المقومات الاقتصادية لأمريكا في نظري. ويرعاها في ذلك مظلة متينة من احترام قوانين الملكلية الفكرية والشفافية ومكافحة الفساد والاحتكار.
وهذا كله غير موجود في مصر. ولذلك لن تتقدم مصر. وإذا أردت دليل على ذلك اسأل نفسك هل يمكن أن يخرج من حي امبابة أو شبرا بيل جيتس أو مارك زوكربرج مصري دون أن يخرج خارج مصر ؟ الإجابة أيضا لا.

الكفتة توداي *

1

كوني طبيب أواجه كثيرا صعوبة  في اقناع مريض ما بقوة رأيي الطبي وكسب ثقته وأنا أطرح أمامه مجموعة التشخيصات المختلفة قد تكون هي المتسببة فيما يشتكي منه من أعراض. بالطبع هناك تحاليل وفحوصات يمكنها أن تحسم الأمور. لكن تكلفة هذه الأشياء تجعلها في المرتبة الثانية عندي من حيث الأفضلية مقارنة بالتجارب الدوائية التي تستغرق وقتا لكنها قد تبدو أقل تكلفة. كل هذا وأنا أخاطب المريض ب ربما وممكن وقد وكل هذه الأدوات التعبيرية.
هذا حال العلم. كلما تعلمت أكثر تدرك أنه هناك احتمالات أكبر لأسباب أكثر لتفسير ظاهرة ما وأن هناك شكوك أكثر ومخاوف أكثر بخصوص نظرية ما أو تطبيق ما. حتى الإحصاءات كلها تخضع للقيل والقال والتلاعب Manipulations وإعادة القراءة بحسب الانحيازات العلمية والمادية.
بل إن الطريف أن الإحصاء كعلم تصنف على إنها مادة أدبية في مناهجنا. ورغم أنني لا أعني السبب إلا أنني لا أبدي استغرابا وقد استطاع العقل البشري من تحويلها من آداه للحكم على الأشياء والنظريات والتطبيقات إلى آداه للمراوغة.


2


الدكتور ابراهيم سليمان –كما يدعي- هو طبيب جراح –كما يدعي ولا أعلم علاقة الجراحة بما يلي- يظهر يوميا على قناة الصحة والجمال ويقوم باستضافة مكالمات تليفونية مفبركة من أناس يدعون تناولهم للعقار الذي يصنعه ويدعي أنه عقار ألماني ويعالج الفيروسات الكبدية والسرطانات والسكر والضغط والعجز الجنسي –اكسير الحياة- وله صفحة على الفيسبوك يتابعها 17000 متابع ولم تتم ملاحقته بأي تهمة أو اغلاق قناته المضللة أو التشويش عليها بافتراض أنها تبث من قمر صناعي غير مصري متداخل مع النايل سات في حزمة ترددات.

3

الدكتور أحمد عبده عوض رجل مريض يحتاج إلى مصحة عقلية وطبيب يحمل رخصة وصف أدوية مخدرة فهو يدعي أنه يعالج السحر ومس الجن ويقوم بذلك على الهواء ويؤدي حركات تشنجية بوجهه ويتمتم بأصوات غريبة أثناء مخاطبة الجن الذي أضاب المريض عبر التليفون في قناة الفتح الفضائية ولا أحد يلاحقه بتهمة التضليل أو النصب أو أي تهمة من التهم المطاطة التي يمتلئ بها قانوننا أو يراجع تصاريح القناة أو يشوش عليها.


4

الجلد يغطي جسد الإنسان –والثدييات والطيور- ويعمل كخط دفاع أول ضد غزو الميكروبات للجسم البشري وإذا حدث أي عطب بهذا الخط فإنه سيكون من السهل جدا على الميكروبات اختراق الجسد والتكاثر بداخله وإتلاف الأعضاء الحيوية أحيانا. ولذلك فعندما يصاب أحدهم بجرح ويهمل نظافته فإن الجرح يتحول إلى خراج ثم يعاني المريض من الحمى جراء انتشار البكتيريا في الدم; نفس الأمر حدث مع الدولة المصرية التي توقفت عن محاربة الخرافة حتى تمكنت منها الخرافة.
هذه الخرافة تمثلت الأمس في سنة من حكم الإخوان واليوم تتمثل في إهانة شديدة للمؤسسة العسكرية المصرية ولشرف كل العلماء والمشتغلين بالعلم المصريين داخل مصر وخارجها.

5

لن أحكي عن نقاشات مع الأهل والأقارب بخصوص جهاز الكفتة المزعوم ولن أروي عن أن البعض لازال يعتقد في أمكانية حدوث معجزة من قبيل أن يقود فني معامل ومعالج بالأعشاب فريق من الباحثين لاختراع جهاز لعلاج كل الأمراض. وأن ربنا مع المؤمنين. وأن أحدهم استيقظ يوما ما من نومه فوجد نفسه حافظا للقرآن عن ظهر قلب فلا تسأل عن السبب يا وغد. ومن أنت بجوار الدكتور أحمد مؤنس الذي أيد الجهاز. ومن أنت بجوار الهيئة الهندسية التي تبنت الاختراع المزعوم. لن احكي عن خالد منتصر وما تلقاه من شتائم من أناس يأملون بصدق في وجود علاج لفيروس سي ظنوا أن انتقاده سيؤدي لتوقف المشروع العظيم. ولن أحكي عن أن مهرج مثل باسم يوسف لا يحق له الحديث عن العلم لأنه لا يساوي شيئا في كرش الدكتور أحمد مؤنس.

6

المشكلة اختصارا وإجمالا تكمن في دولة مهترئة أصبحت تنتج الخرافات بدلا من محاربتها ومواطن تم تفكيك عقله وأصبح عسكري في رقعة شطرنج يتم حشده ككيان فيزيائي لا مخاطبته كإنسان مكرم له عقل يستخدمه. لن طيل الكلام في الحديث عن فشلنا في انتاج العلم ولا عن ميثاق تطوير الإعلام الذي تم الإعلان عنه في بيان 3 يوليو ولا وزارة الصحة العاجزة في مواجهة النصابين ولا عن الدولة التي تركت قمرها الصناعي الذي تباهي به الأمم مرتعا للجهلة واللصوص والنصابين ولا عن تعليمنا المتأخر .....
 ولنا الله وحسبنا الله ونعم الوكيل


 ---------------------------------------------------------------------------------------
عنوان المقالة مقتبس من مدونة "الكفتة توداي" 

حقوقنا الدستورية العاجلة

دلوقت بعد إقرار الدستور الجديد اللي أنا عن نفسي نزلت وصوتت عليه بنعم عن اقتناع . وكعادتنا في الحديث عن الدساتير ومناقشتها بعد إقرارها أحب أتكلم شوية عن الدستور الجديد من وجهة نظر مختلفة ومزعجة جدا لكل فل أحمق كان متخيل إن نعم للدستور هي مجرد كلمة هيقولها النهاردة وماحدش هيحاسبه عليها بكرة.
باختصار الدستور الجديد -باستثناء مادة المحاكمات العسكرية وبعض الرتوش الثانوية- عبارة عن فخ عميق جدا وقاتل للفلول ولأنصار الدولة الأمنية القديمة اللي مش شايفة غير نفسها ورئيسها وطظ في الباقي.
وبالإضافة لإلغاء حاجات سيئة زي مجلس الشورى ونسبة العمال والفلاحين عن طريق عد ذكرها في الوثيقة في مواد جديدة أو مطورة 
هاعرض بعضهالوقت. بعضها مش كلها لإن دي المواد اللي بتكيفني بصراحة

------------------------------------------------------------------------------

مادة (12)

العمل حق ، وواجب ، وشرف تكفله الدولة. ولا يجوز إلزام أى مواطن بالعمل جبراً، إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، لمدة محددة، وبمقابل عادل، ودون إخلال بالحقوق الأساسية للمكلفين بالعمل .

ودي ممكن نستند إليها ونرفع دعوى قدام القضاء الإداري برفع مرتبات المجندين إجباريا في الجيش أو إعطاءهم الحد للأجور حتى. ودكاترة الامتياز ممكن يستفيدوا بيها برضه :)
------------------------------------------------------------------------------
مادة (16)

تلتزم الدولة بتكريم شهداء الوطن، ورعاية مصابي الثورة، والمحاربين القدماء والمصابين، واسر المفقودين في الحرب وما في حكمها، ومصابي العمليات الأمنية، وأزواجهم وأولادهم ووالديهم، وتعمل على توفير فرص العمل لهم، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون.
وتشجع الدولة مساهمة منظمات المجتمع المدني في تحقيق هذه الأهداف.


دي مش محتاجة شرح

-----------------------------------------------------------------------------
مادة (38)
يهدف النظام الضريبى وغيره من التكاليف العامة إلي تنمية موارد الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية.
لا يكون إنشاء الضرائب العامة، أو تعديلها، أو إلغاؤها، إلا بقانون، ولا يجوز الاعفاء منها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون. ولا يجوز تكليف أحد آداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا فى حدود القانون.
ويراعى فى فرض الضرائب أن تكون متعددة المصادر. وتكون الضرائب علي دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح وفقا لقدراتهم التكليفية، ويكفل النظام الضريبى تشجيع الانشطة الاقتصادية كثيفة العمالة، وتحفيز دورها فى التنمية الاقتصادية، والاجتماعية ، والثقافية.
تلتزم الدولة بالارتقاء بالنظام الضريبي، وتبنى النظم الحديثة التى تحقق الكفاءة واليسر والاحكام فى تحصيل الضرائب. ويحدد القانون طرق وأدوات تحصيل الضرائب، والرسوم ، وأى متحصلات سيادية أخرى، وما يودع منها فى الخزانة العامة للدولة.
وآداء الضرائب واجب، والتهرب الضريبى جريمة.


ضرايب تصاعدية من اللي كنا بنحلم بيها واحنا صغننين. أحمدك يا رب
------------------------------------------------------------------------------
الباب الثالث

الحقوق والحريات والواجبات العامة
مادة (51)
الكرامة حق لكل إنسان ، ولايجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها.

مادة (52)
التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم.

مادة (53)
المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الإنتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأى سبب آخر.

التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون.
تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.

مادة (54)
الحرية الشخصية حق طبيعى، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق.
ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الإتصال بذويه و بمحاميه فورا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.
ولا يبدأ التحقيق معه إلا فى حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوى الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة فى القانون.
ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فوراً.
وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطى، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذى تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطى، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.
وفى جميع الأحوال لايجوز محاكمة المتهم فى الجرائم التى يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو مٌنتدب.


مادة (55)
كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا فى أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحياً، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. ومخالفة شىء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون.
وللمتهم حق الصمت. وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يهدر ولا يعول عليه.

احفظ الكلام ده يابني منك له
------------------------------------------------------------------------------

مادة (31)
أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذالتدابير اللازمة للحفاظ عليه، علي النحو الذي ينظمه القانون.

ومادة (57)
للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون.
كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها ، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفى، وينظم القانون ذلك.

إن شاء الله هنسجنك يا عبوحيم علي ومش هنسيبك إلا لما تقول عالوه : ره
------------------------------------------------------------------------------
مادة (61)
التبرع بالأنسجة والأعضاء هبة للحياة، ولكل إنسان الحق في التبرع بأعضاء جسده أثناء حياته أو بعد مماته بموجب موافقة أو وصية موثقة، وتلتزم الدولة بإنشاء آلية لتنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقا للقانون.


الموضوع ده بالذات حيوي جدا خصوصا ما يخص زرع القرنية والكلى والكبد والقلب. انا ماسيبتش حاجة كدة. القصد إننا كلنا محتاجين الثواب ده. أحياء واموات.
-------------------------------------------------------------------------------

مادة (65)
حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبيرعن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.
ومادة (73)
للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الأحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحًا من أى نوع، بإخطار على النحو الذى ينظمه القانون.
وحق الاجتماع الخاص سلمياً مكفول، دون الحاجة إلى إخطار سابق، ولايجوز لرجال الأمن حضوره أو مراقبته، أو التنصت عليه.

ومادة (92)
الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها.

ممكن أي محامي محترم يرفع بيهم دعوى يطالب بإلغاء قانون التظاهر الحالي لمخالفته للددستور الجديد. بأقل مجهود.
-------------------------------------------------------------------------
مادة (227)
يشكل الدستور بديباجته و جميع نصوصه نسيجاً مترابطاً، وكلاً لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه فى وحدة عضوية متماسكة.
وقد ورد في ديباجة الدستور النص التالي:
"وثورة 25 يناير 30 يونيو، فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التى قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والإيديولوجيات نحو أفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة، وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية وبمباركة الأزهر الشريف والكنيسة الوطنية لها، وهى أيضاً فريدة بسلميتها وبطموحها أن تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية معاً."

أنا نفسي نسجن رولا خرسا بالمادة دي :D
-----------------------------------------------------------------------------
الخلاصة:
الدستور الجديد رائع فعلا. وهو وجبة دسمة محتاجين نطالب بتفعيل كل مواده ونحسس الناس إنها كانت على حق لما نزلت وقالت نعم وإلا ممكن نصحى في يوم ونلاقي حد بيطالب بحذف مواد مهمة منه -زي الضرايب التصاعدية مثلا- أو مواد الحقوق والحريات تحت مزاعم أمنية. خلونا نخلص الوجبة الدسمة دي وبعد كدة نطلب وجبة أحسن منها. إنما طول ماهنتعامل معاه على إنه شراب مقطوع بكرة مش هنلاقي نصه.
ينقصنا في ذلك برلمان ثوري يترجم الدستور لقوانين مكملة ويشرع قوانين عقوبات للي يخالف المواد الدستورية ويشرع قوانين تترجم المواد الكويسة المايعة لنصوص قانونية إلزامية قطعية وتحد من استعمال نصوص الدستور في وجه المواطن الغلبان لصالح الدولة.
وشكرا

تنمية الريف المصري



في الفترة الأخيرة –تتراوح بين ستين وثلاثين سنة تقريبا- يكثر الكلام عن تطوير الريف المصري والرغبة في عكس عملية الهجرة من الريف إلى المدن وكأن الأولوية هي الرغبة في إبقاء المدن غير مزدحمة. وهذا فكر قاصر تماما.
المجتمعات البشرية كلها تتجه للتمدن والانتقال لعادات وتقاليد المدينة باتطراد والسير عكس هذه العملية مثل الحرث في الماء.
يقول أغلب المخططين أن علينا أن ندخل خدمات المدينة إلى الريف حتى نوقف تيارات الهجرة هذه إلى المدينة بنفس النظرة القاصرة. ولمن لا يعلم فإن نقل الخدمات المدنية إلى الريف مثل الصرف الصحي والغاز الطبيعي يقلل الهجرة إلى المدينة بالفعل ولكنه أيضا يؤدي لزيادة معدلات المبناء على الأرض الزراعية التي تطعمنا ويتم بيعها بأسعار رخيصة مقارنة بأسعار الأراضي في المدن. وهكذا تنشا في الريف طبقات سكانية جديدة محسوبة على الريف ولا تعمل بأي من أنشطة الريف. وأنا بنفسي أشاهد الأجيال الجديدة من أبناء الريف المصري وقد حصلوا على شهادات عالية في الطب والصيدلة والحقوق والتجارة والآداب ووجودهم في الريف عبئ على الأرض الزراعية حيث أن أول حل لديهم لإقامة منزل هو تبوير قطعة أرض والبناء عليها أو عندما يحتاجون إلى أموال سائلة يقومون ببيع قطعة أرض زراعية بأسعار عالية لمن سيقوم بتبويرها والبناء عليها.
الخلاصة ان حماية الرقعة الزراعية في مصر تقتضي تخفيض عدد سكان الريف إلى أقل من النصف وتحول مصر إلى الصناعة لاستيعاب الطاقة السكانية الفائضة عند الريف المصري بدلا من مد خطوط الصرف الصحي والغاز الطبيعي إلى الريف.
هذا ليس كل الحلول. فأنا أرى أن اتاحة الأراضي في المدن الجديدة والصحراوية وتيسير المرافق والأعمال الإدارية المتعلقة بتعمير المدن الجديدة هو الخطة الأولى لخلخلة هذا الفائض السكاني في الريف بدلا من تركه ينهش في الرقعة الزراعية المحدودة.
بعد هذا وقبله يجب أن يكون الاهتمام بالريف مبني على وظيفته الأساسية وهي الزراعة وتصنيع الغذاء –وهذا موضوع عميق جدا ومشعب ولا يمكن الحديث عنه في سطرين مختصرين لمجرد جعل المقال أكبر قليلا- وهذا بدوره سيؤدي لطفرة مادية لدى الفلاحين والمزارعين وهو ماسييسر عليهم الحصول على المرافق والخدمات المدنية في الريف آجلا أو عاجلا.

Followers

Featured Posts